223

وفي يوم الجمعة هذا، وهو ثامن الشهر، عملت الميعاد في جامع الظاهر وهي وظيفة مرتبة هناك على تفسير الكتاب العزيز، عليها وقف، يقال له: وقف طرنطاي الحموي خارج عن أوقاف مصالح الجامع، وكانت في يدي من حدود سنة خمس وثلاثين، فلما مات قاضي القضاة ابن حجر، في أواخر سنة اثنتين وخمسين، وثب عليها القاضي ولي الدين أحمد بن الشهاب أحمد الأسيوطي، فلم أدافعه في أيام جقمق، وتعصب لي بعض المباشرين، ثم خذل الناظر على المكان، فلما ولي الأشرف إينال، وكانت لي به صحبة، استعدتها منه، واتفق في أمرها غريبة وقت خروجها عني، وأخرى وقت عودها، وهما أني لما أخذتها شرعت في التفسير من أول القرآن على التوالي، فلما تغلب عليها المذكور، قام شخص من أهل تلك الخطة، وقال: إني قد وقفت، وجعلت لي فيه أن أعين ما شئت، وقد صرفت حصة منه للشيخ ليعمل الميعاد في هذا الجامع على عادته، فكان من الاتفاق العظيم أن كنت وقفت على قوله تعالى في سورة براءة: {ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير}[التوبة:39]، فكان الميعاد الذي سأل فيه ذلك الرجل في قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}[التوبة:40] وكان ذلك في شهر ربيع الآخر فيما أظن من سنة ثلاث، فلما استعدتها صادف أني كنت قد وقفت على قوله تعالى في الصافات: {فانظر كيف كان عاقبة المنذرين، إلا عباد الله المخلصين}[الصافات:74]. فكان الميعاد في الجمعة المذكورة في قوله تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون}[الصافات:75]. إلى آخر قصة إبراهيم، التي جملتها {فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين}[الصافات:98] فكان ذلك من غرائب الاتفاق.

قصة سونجبغا والقلاوي:

وفي نحو نصف هذا الشهر توجه الأمير سونجبغا إلى الأمير تغري بردي القلاوي، كاشف الأعمال البهنسائية، ليقبض عليه؛ بسبب أن شخصا من أتباعه وشى به، أن عنده لبيت المال ثمانين ألف دينار، وذكر عنه ما أوغر صدر السلطان، مع أنه كان شديد الإساءة إلى السلطان في حال الإمرة، وكانت بين سونجبغا وبينه عداوة شديدة، فاتفق أنه لما قرب منه ركب القلاوي ليتلقاه، فلما سلم عليه لم يجبه سونجبغا إلا بالقبض على لحيته، ولكمه. فقال له: إن كان هذا عن أمر السلطان فأرني مرسومه لأطيعه. فقال: أنت أقل من هذا، ووضع شخص من أتباعه في عنقه زنجيرا، فاستغاث بأعوانه فرمى أحدهم سونجبغا بسهم، فلم يخطئ نحره، فوقع، وضرب شخص من جماعة سونجبغا، القلاوي فقتله، ثم اقتتل الفريقان شيئا يسيرا، وتحاجزا، وقد مات الأميران، ونهب العربان العسكرين، فكان ذلك من أغرب القضايا، ولما بلغ الخبر السلطان عين قراجا الذي كان والي القاهرة كاشفا عن القلاوي.

قصة نواب القضاة:

وفي هذا الحد كثر الكلام في نواب القضاة، وأن الشافعي استكثر منهم، وولى من لا أهلية له، ولم يول إلا من بذل له مالا، فرسم السلطان بعزل الجميع، وعين للشافعي خمسة عشر، وللحنفي عشرة، وللمالكي أربعة، وللحنبلي مثله.

Page 360