وما سبق يصدق على جرائم الحدود، وجرائم القصاص والدية، وجرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، مع ملاحظة أن لولي الأمر في جرائم التعازير حق العفو عن الجريمة والعفو عن العقوبة، وليس له ذلك في جرائم الحدود، ولا في جرائم القصاص والدية، أما جرائم التعازير التي يحرمها أولو الأمر فلا يصدق عليها ما قلنا، ولا يعاقب عليها إلا إذا كان الفعل محرمًا في محل وقوعه، ومحل المحاكمة عليه، فإذا كان الفعل مباحًا في محل وقوعه امتنع العقاب عليه في أية دولة أخرى، وإذا كان محرمًا في محل وقوعه فقط امتنع العقاب عليه في أي محل آخر.
وأساس التفرقة بين جرائم الحدود جرائم القصاص من جهة، وبين جرائم التعازير من جهة أخرى، أن إقامة العقوبة في جرائم الحدود واجبة على كل مسلم، ولا يصح تأخيرها، ولا يجوز العفو عنها، وأن عقوبات جرائم القصاص واجبة ما لم يعف عنها المجني عليه أو أولي دمه، فإذا لم تقم حكومة إسلامية عقوبات الحدود والقصاص وجبت إقامتها على الحكومات الأخرى، وإن لم تقمها الحكومات وجبت على الأفراد، أما عقوبات التعازير فيجوز إيقاف تنفيذها والعفو عنها.
وأساس التفرقة بين جرائم التعازير التي نصت عليها الشريعة، وجرائم التعازير التي حرمها أولو الأمر، أن الأفعال المكونة للنوع الأول لا يجوز إباحتها وإن جاز العفو عن الجريمة وعقوبتها، أما الأفعال المكونة للنوع الثاني فيجوز إباحتها بعد تحريمها فضلًا عن جواز العفو عن الجريمة وعقوبتها.
وإذا أردنا أن نطبق نظرية أبي يوسف، فإنَّا نعاقب فوق ما تقدم كل مستأمن ارتكب جريمة في أي بلد إسلامي إذا لم يعاقب عليها في محل ارتكابها أو عوقب عليها بغير العقوبة المقررة شرعًا، لأنه بدخله في البلد الإسلامي التزم بأحكام الإسلام، وتلك الأحكام تلزم كل دولة إسلامية أن تطبقها، وعلى هذا تكون كل دولة إسلامية قادرة على أن تعاقب طبقًا للشريعة كل مسلم