وإذا كان هناك خلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة فإنه لا خلاف في أسباب نزول آية الظهار، وإذا كان الخلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة مما يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي، فإن الاتفاق على سبب نزول آية الظهار، وعلى أنها طبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي، وهذا الذي تقطع به آية الظهار ينهي الخلاف القائم في آيتي القذف والحرابة لمصلحة القائلين بأن كليهما طبقت على واقعة سابقة عليها، ويؤكد أن هاتين الآيتين كان لهما أثر رجعي.
ولقد كان الظهار (١) في الجاهلية وفي أول الإسلام طلاقًا، أي أنه كان تصرفًا يترتب عليه فسخ عقد الزواج وإنهاؤه، ولم يكن يعتبر جريمة، حتى ظاهر أوس بن الصامت من زوجته خولة، فقال لها: أنت علىّ كظهر أمي، فأتت رسول الله ﷺ وعائشة تغسل شق رأسه، فقالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، وأكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم قالت: يا رسول الله، طالت صحبتي مع زوجي، ونفضت له بطني، وظاهر مني. فقال رسول الله ﷺ: حرمت عليه. فكلما قال لها ذلك رسول الله هتفت وصاحت: إلى الله أشكو فاقتي.
فنزل الوحي وقد قامت عائشة ﵂ تغشل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها عائشة أن أسكتي، فلما قضي الوحي قال رسول الله ﷺ: ادعي لي زوجك، فلما حضر تلا عليه الرسول قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ
(١) الظهار: هو تشبيه الرجل وطء من تحل له من النساء بوطء من تحرم عليه منهن تحريمًا مؤبدًا بنسب أو صهر أو رضاع، وكانت العرب تكني عن ذلك بالظهر، فيقول الرجل منهم: امرأتي علىّ كظهر أمي، ولذلك سمي ظهارًا لأنه مأخوذ من الظهر.