Al-tashrīʿ al-jināʾī al-islāmī muqāranan biʾl-qānūn al-waḍʿī
التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي
Publisher
دار الكاتب العربي
Publisher Location
بيروت
Regions
Egypt
سكارى بقوله تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فرق بين الزوج وما زاد على الأربع، ولم يعاقب زوج على ما حدث منه قبل نزول النص، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية، ولكن لم يكن له أثر رجعي من الناحية الجنائية.
وحرمت الخمر والميسر على مراحل، فنهى المسلمون أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم بين الله لهم أن الخمر والميسر إثمًا ومنفعة وأن إثمهما أكبر من نفعهما فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم حرم الله الخمر والميسر بعد ذلك تحريمًا قاطعًا حيث قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وجعل الرسول حد الشرب الجلد، وعقوبة الميسر التعزير، ولكن لا يعلم أن أحدًا عوقب على شرب الخمر أو لعب الميسر قبل نزول التحريم، ولا يعلم أن نصًا من نصوص التحريم كان له أثر رجعي. ومن ثم يمكن القول بأن النصوص التي حرمت الخمر والميسر لم يكن لها أثر رجعي.
وجاءت الشريعة بقطع يد السارق حيث يقول الله جل شأنه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، ولا يعلم أن هذا النص طبق على سرقة وقعت قبل نزوله. ومن ثم يمكن القول بأن نص السرقة لم يكن له أثر رجعي.
وحرم الله الربا وكان مباحًا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، فأصبح الربا بعد التحريم جريمة من وجه، عملًا مدنيًا من وجه آخر، وجاءت النصوص المحرمة بحكمين: إحداهما: جنائي، والآخر: مدني.
فأما الحكم الجنائي فيقضي بأن لا عقاب على الربا السابق على نزول التحريم، وأن العقاب على ما بعده فقط.
وأما الحكم المدني فيقتضي بأن ليس للدائن غير
1 / 264