230

Al-tashrīʿ al-jināʾī al-islāmī muqāranan biʾl-qānūn al-waḍʿī

التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي

Publisher

دار الكاتب العربي

Publisher Location

بيروت

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله، وإعادة فعل الطاعة عند ذكر الرسول يشعر بأن طاعة الرسول تجب له استقلالًا سواء كان ما أمر به في القرآن أو لم يكن فيه، لأنه أُوتي الكتاب ومثله معه، وحذف فعل الطاعة عند ذكر أولي الأمر دليل على أن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم استقلالًا وإنما هي في ضمن طاعة الرسول، كذلك فإن تقدم طاعة الله وطاعة الرسول يقتضي أن لا يطاع أولو الأمر إلا بعد استيفاء الطاعة لله وللرسول في كل ما يصدر عن ولي الأمر، فأولو الأمر يطاعون تبعًا لطاعة الله وطاعة الرسول، وبعد توفر الطاعة لله ورسوله، فمن أمر منهم بما يوافق ما أنزل الله على رسوله فطاعته واجبة، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا
طاعة (١) .
٩ - إن السنة بينت حدود الطاعة لأولي الأمر، ونهت عن طاعتهم فيما يخالف ما أنزل الله: فصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وقال: "إنما الطاعة في المعروف"، وقال في ولاة الأمور: "من أمركم منهم بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
وفي عهد الرسول ﷺ أمر أحد الأمراء جنوده أمرًا فتقاعسوا عن تنفيذه، فجمع حطبًا وأشعل نارًا، ثم قال لهم: ألم يأمركم الرسول أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فإني آمركم أن تدخلوا هذه النار، فهموا أن يدخلوها، فلما بلغ ذلك الرسول قال: "لو دخلوها لما خرجوا منها" أي لخلدوا في النار في دار الآخرة، قال الرسول هذا القول مع أنهم كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم وظنًا منهم أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا على طاعة من أمر بمعصية الله استحقوا أن النار جزاءهم لا يخرجون منها. وإذا كان

(١) أعلام الموقعين ج١ ص٥١، تفسير المنار ج٥ ص١٨٠ وما بعدها.

1 / 231