212

Al-ḥaḍāra al-islāmiyya ususuha wa-wasāʾiluha wa-ṣuwar min taṭbīqāt al-muslimīn laha wa-lamaḥāt min taʾthīriha fī sāʾir al-umam

الحضارة الإسلامية أسسها ووسائلها وصور من تطبيقات المسلمين لها ولمحات من تأثيرها في سائر الأمم

Publisher

دار القلم

Edition

الأولى المستكملة لعناصر خطة الكتاب ١٤١٨هـ

Publication Year

١٩٩٨م

Publisher Location

دمشق

Regions
Syria
وفي لفت أنظار الفئة العليا من الناس، وهي فئة المتفكرين، الباحثين العلميين، للحقائق، واستنباطها من الأعماق، عن طريق أدلتها الدقيقة، عرض القرآن أدلة يحتاج استقصاؤها واستيعاب دقائقها إلى بحث وتتبع، وجهد فكري كثير، ونسب عالية من القدرات الفكرية.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى في سورة "الرعد: ١٣ مصحف/ ٩٦ نزول":
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
فمستوى البحث في الأرض، وكيفية تكوينها، وفي الجبال وسر وجودها، وفي الأنهار ومسالك ينابيعها ومصادرها ومواردها، وفي الثمرات وكون كل منها مؤلفًا من زوجين اثنين مذكر ومؤنث، وفي النظام الدقيق الذي يغشي الله فيه الليل النهار، مستوى دقيق لا يحسنه ولا يستطيعه إلا الباحثون العلميون الذين يتابعون البحث والتفكر والاستنباط، ولذلك ذيل الله الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
ومن أمثلة مراعاة الإسلام مستويات الناس الفكرية في بياناته التعليمية، نص قرآني في سورة "النحل: ١٦ مصحف/ ٧٠ نزول"، جمع الله فيه طائفة من الأدلة الكونية، ذات مستويات ثلاثة، تناسب مستويات فئات الناس الثلاث، وهي فئة الدهماء بشكل عام، ثم فئة المتعلقين، ثم فئة المتفكرين الباحثين العلميين، المتتبعين دقائق المعرفة.
وختمت المجموعة الأولى منها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ وهم الذين يناسبهم أن توضع أمامهم أدلة قريبة، لا يحتاج إدراكها وفهمها إلى جهد فكري، بل يكفي لإدراكها التذكير القولي بها لبداهتها، أو لكونها قريبة من الأمور البدهية.
وختمت المجموعة الثانية منها بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ . وهم الذين تعمل أفكارهم عادة في تصيد الأدلة وعقلها، وربطها بما تدل عليه من حقائق، وهؤلاء يناسبهم أن تلفت أنظارهم إلى أدلة ذات مستوى

1 / 236