244

Al-Islām wa-awḍāʿunā al-siyāsiyya

الإسلام وأوضاعنا السياسية

Publisher

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

Publisher Location

بيروت - لبنان

أَبِيكَ وَلاَ كَدِّ أُمِّكَ»، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَنَزَلَ عَنْ المِنْبَرِ، وَقَالَ لِلْنَّاسِ: «مَكَانَكُمْ»، وَغَابَ عَنْهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ اغْتَسَلَ، فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَلَّمَنِي بِكَلاَمٍ أَغْضَبَنِي، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الغَضَبُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ"، وَإِنِّ دَخَلْتُ فَاغْتَسَلْتُ، وَصَدَقَ أَبُو مُسْلِمٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَدِّي وَلاَ مِنْ كَدِّ أَبِي فَهَلُمُّوا إِلَى عَطَائِكُمْ».
وأدخل سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور، فقال له: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فقال: «اتَّقِ اللهَ فَقَدْ مَلأْتَ الأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «إِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ المَنْزِلَةِ بِسُيُوفِ المُهَاجِرِيْنَ وَالأَنْصَارِ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا فَاتَّقِ اللهَ وَأَوْصِلْ إِلَيْهِم حُقُوقَهُم»، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: «ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ»، فَقَالَ: «حَجَّ عُمَرُ فَقَالَ لِخَازِنِهِ: " كَمْ أَنْفَقْتَ؟ "»، قَالَ: «بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أَرَى هَاهُنَا أَمْوَالًا لاَ تُطِيقُ الجِمَالُ حَمْلَهَا»، ثُمَّ خَرَجَ.
فهؤلاء لم يواجهوا الخلفاء هذه المواجهة إلا بما للأمة من سلطان مراقبة الحكام وتقويم اعوجاجهم، وما قبل منهم الخلفاء هذا التحدي وما استجابوا لهم إلا لعلمهم أن للأمة سلطانًا، وأن عليهم أن يطأطئوا رؤوسهم لهذا السلطان.

1 / 245