Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يَعُمُّ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: "حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ كَحُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ"١، وما روى عنه ﷺ: "إِنَّمَا قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ" ٢، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُخَاطَبِ كَحُكْمِهِ، كَانَ لَهُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي نَفْسِ تِلْكَ الصِّيغَةِ الْخَاصَّةِ، هَلْ تَعُمُّ بِمُجَرَّدِهَا أَمْ لَا؟
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَعُمُّهَا بِلَفْظِهَا فَقَدْ جَاءَ بِمَا لَا تُفِيدُهُ لُغَةُ الْعَرَبِ، وَلَا تَقْتَضِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: هُوَ عَامٌّ بِالشَّرْعِ لَا "بِوَضْعِ اللُّغَةِ"* لِلْقَطْعِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهِ لُغَةً.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْخِطَابَ خَاصٌّ لُغَةً بِذَلِكَ الْوَاحِدِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ عَامٌّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَقِيلَ: بَلِ الْخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ، لِأَنَّا نَقُولُ: الأصل ما هو؟ هل هو مورد الشرعي أَوْ مُقْتَضَى اللُّغَةِ؟
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ التَّعْمِيمَ منتفٍ لُغَةً ثابت شرعًا، والخلاف في أن للعادة هل تقتضي بِالِاشْتِرَاكِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ فَهْمُ أَهْلِ الْعَرَبِ إِلَيْهَا أولًا، فَأَصْحَابُنَا -يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ- يَقُولُونَ: لَا قَضَاءَ لِلْعَادَةِ في ذلك، كما لا قضاء للغة والخصم يقول إنها تقتضي بِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَقُّ. وَيُوجِبُهُ الْإِنْصَافُ عَدَمُ التَّنَاوُلِ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةِ، بَلْ بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ الاستدلال بأقضيته ﷺ الْخَاصَّةِ بِالْوَاحِدِ، أَوِ الْجَمَاعَةِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِ ذَلِكَ لِسَائِرِ الْأُمَّةِ فَكَانَ هَذَا مَعَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عُمُومِ الرِّسَالَةِ، وَعَلَى اسْتِوَاءِ أَقْدَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُفِيدًا لِإِلْحَاقِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُخَاطَبِ بِهِ فِي ذلك الحكم عند الإطلاق "إلا"** إلى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ.
فَعَرَفْتَ بِهَذَا أَنَّ الرَّاجِحَ التَّعْمِيمُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، لَا كَمَا قِيلَ: إِنَّ الرَّاجِحَ التَّخْصِيصُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قام كما ذكرناه.
* في "أ": بالوضعي للقطع.
** في "أ": إلى.
١ ذكره في كشف الخفاء قال: ليس له أصل بهذا اللفظ كما قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. ا. هـ. كشف الخفاء "١/ ٣٦٤".
٢ أخرجه الترمذي من حديث أميمة بنت رقيقة في السير باب ما جاء في بيعة النساء "١٥٩٧" وقال: حسن صحيح. والنسائي في البيعة، باب بيعة النساء "٤١٩٢" "٧/ ١٤٩". ومالك في الموطأ كتاب البيعة باب ما جاء في البيعة "٢/ ٩٨٢". والإمام أحمد في المسند "٦/ ٣٥٧". والحميدي في مسنده "٣٤١".
1 / 325