Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَالنُّحَاةِ أَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى تَنَاوُلِهِ الْجِنْسَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اشْتِرَاكُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي الْأَحْكَامِ لَمْ تُقْصَرِ الْأَحْكَامُ عَلَى الذُّكُورِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي "الْبَحْرِ": وَحَاصِلُهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي ظُهُورِهِ لِاشْتِهَارِهِ عُرْفًا.
قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَكَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ مِنَ الشَّرْعِ لِقَرِينَةٍ عَلَيْهِ وَهِيَ الْمُشَارَكَاتُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَ: وَاتَّفَقَ الْكُلُّ أَنَّ الْمُذَكَّرَ لَا يَدْخُلُ تحته وإن وَرَدَ مُقْتَرِنًا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ.
وَمِنْ أَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ: إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ، وَعَلَى هَذَا وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ ١ فِي خِطَابِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ.
وَيُجَابُ عَلَى هَذَا: بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَصْلِ الْوَضْعِ، وَلَا بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ إِرَادَةِ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ إِرَادَتُهُ مِنْهُ. إِذَا وَرَدَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ قَرِينَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ صِيغَةَ الذُّكُورِ عند إطلاقها موضوعة لتناول الجميع، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَاضِحٌ لَا يَنْبَغِي الْخِلَافُ فِي مِثْلِهِ، وَلَمْ يَأْتِ الْقَائِلُونَ بِالتَّنَاوُلِ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى مَا قَالُوهُ لَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ العقل.
١ جزء من الآية "٣٨" من سورة البقرة.
المسألة الثانية عشر: في عموم الخطاب بمثل يا أيها الناس
...
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِي عُمُومِ الْخِطَابِ بِمِثْلِ "يا أيها الناس ... "
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْخِطَابَ بِمِثْلِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَنَحْوِهَا مِنَ الصِّيَغِ يَشْمَلُ الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَعُمُّهُمْ شَرْعًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إن كان الخطاب في حقوق الله تعالى فَإِنَّهُ يَعُمُّهُمْ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَلَا يَعُمُّهُمْ.
وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ خُرُوجُهمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ "لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ"* الْخِطَابِ عَنْهُمْ بِهَا، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: إِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ اتِّبَاعًا لِمُوجِبِ الصِّيغَةِ، وَلَا يَخْرُجُونَ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَأْتِ الْقَائِلُونَ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَإِنَّ مَا زَعَمُوهُ مِنْ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ بَعْضِ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِمْ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ فَكَانَ كَالْمُخَصِّصِ لعموم الصيغة الشاملة لهم.
* في "ب": لدليل على رفع.
1 / 320