Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
قَالُوا: لِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إِلَى الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ لِتَعَذُّرِ جَمْعِ الْآحَادِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ وَالْإِفْهَامُ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ لَا تَضْرِبْ أَحَدًا، فُهِمَ مِنْهُ الْعُمُومُ حَتَّى لَوْ ضَرَبَ وَاحِدًا عُدَّ مُخَالِفًا، وَالتَّبَادُرُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ وَالنَّكِرَةُ فِي النَّفْيِ لِلْعُمُومِ حَقِيقَةً فَلِلْعُمُومِ صِيغَةٌ، وَأَيْضًا لَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِمِثْلِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ١ و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ٢، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَحْتَجُّونَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ "بمثل"* عند الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ عنه ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَقَالَ: "لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِي شَأْنِهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ " ٣ وما ثابت أَيْضًا مِنِ احْتِجَاجِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَالْعُدُولُ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ شِدَّةِ الْبَرْدِ. فَقَالَ سَمِعْتُ الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ ٤ فَقَرَّرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٥؛ وَكَمْ يَعُدُّ الْعَادُّ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَادِّ.
وَمَا أُجِيبَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّهُ إنما فهم بِالْقَرَائِنِ جَوَابٌ سَاقِطٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَابِ٦ مِنَ المالكية، ومحمد بن شجاع البلخي٧ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ، وَأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الصِّيَغِ مَوْضُوعٌ فِي الخصوص، وهو أقل الجمع أما
* في "أ": عند.
١ جزء من الآية "٣٨" من سورة المائدة.
٢ جزء من الآية "٢" من سورة النور.
٣ الآيتان هما "٧-٨" من سورة الزلزلة. والحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، كتاب الشرب والمساقاة، باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار "١/ ٢٣٧١". مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة "٩٨٧".النسائي في السنن، كتاب الخيل "٣٥٦٥" "٦/ ٢١٦". مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد "٢/ ٤٤٤". والبيهقي في السنن، كتاب الزكاة، باب من رأى في الخيل صدقة "٤/ ١١٩". ابن حبان في صحيحه "٤٦٧٢".
٤ جزء من الآية "٢٩" من سورة النساء.
٥ أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب إذ خاف الجنب البرد أيتيمم "٣٣٤"، والحاكم في المستدرك في الطهارة "١/ ١٧٧". والبيهقي في السنن في الطهارة باب التيمم في السفر إذا خاف الموت أو العلة من شدة البرد ١/ ٢٢٦. وعبد الرزاق في المصنف "٨٧٨". وابن حبان في صحيحه "١٣١٥".
٦ لم أجد ترجمته فيما بين يدي من المصادر.
٧ الثلجي، ويقال ابن الثلجي، أبو عبد الله البغدادي الحنفي، فقيه، أهل العراق في وقته والمقدم في الفقه والحديث وقراءة القرآن مع ورع وعبادة، توفي سنة ست وستين ومائتين، من آثاره: "المضاربة" "تصحيح الآثار" "الرد على المشبهة". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١٢/ ٣٧٩"، الجواهر المضية "٣/ ١٧٣".
1 / 292