السَّفَرِ "فَلَا يُدْرَى أَنَّهُ كَانَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا"١ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ، وَلَا يُدَّعَى فِيهِ الْعُمُومُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ: أَطْلَقَ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ لَا "يُتَصَوَّرَانِ"* إِلَّا فِي الْأَقْوَالِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْأَفْعَالِ، أَعْنِي فِي ذَوَاتِهَا، فَأَمَّا فِي أَسْمَائِهَا فَقَدْ يَتَحَقَّقُ، وَلِهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ ادِّعَاءُ الْعُمُومِ فِي أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ أَنَّ الْعُمُومَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ، كَمَا هُوَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَلْفَاظِ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَعَانِيَ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ يُوصَفُ بِهِ مَجَازًا.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي "الْإِفَادَةِ"٢: الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْعُمُومِ إِلَّا الْقَوْلُ فَقَطْ، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ ادِّعَاؤُهُ فِي الْمَعَانِي وَالْأَحْكَامِ، وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ: حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صِيغَةٌ "تَعُمُّ"** كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ٣ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ تَنَاوُلُ التَّحْرِيمِ لَهَا عَمَّهَا بِتَحْرِيمِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْأَكْلِ، وَالْبَيْعِ وَاللَّمْسِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَحْكَامِ ذِكْرٌ فِي التَّحْرِيمِ بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" ٤ عَامٌّ فِي الإجزاء والكمال "قال"***: وَالَّذِي يَقُولُهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: اخْتِصَاصُهُ بِالْقَوْلِ وإن وصفهم بالجور وَالْعَدْلَ بِأَنَّهُ عَامٌّ مَجَازٌ. انْتَهَى.
فَعَرَفْتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وُقُوعَ الْخِلَافِ فِي اتِّصَافِ الْأَحْكَامِ بِالْعُمُومِ كَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اتِّصَافِ الْمَعَانِي بِهِ.
* في "أ": يتصور.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".
١ لم أعثر على هذه الرواية فيما بين يدي من كتب الحديث.
٢ هو "الإفادة في أصول الفقه"، انظر شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف، ترجمة رقم "٢٦٦".
٣ جزء من الآية "٣" من سورة المائدة.
٤ تقدم تخريجه في الصفحة "١٥٦".
المسألة الرابعة: "الْفَرْقِ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ"
اعْلَمْ: أَنَّ الْعَامَّ عُمُومُهُ شُمُولِيٌّ، وَعُمُومُ الْمُطْلَقِ بَدَلِيٌّ، وَبِهَذَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَى الْمُطْلَقِ اسْمَ الْعُمُومِ، فَهُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَوَارِدَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، فَصَحَّ إِطْلَاقُ اسْمِ الْعُمُومِ عَلَيْهِ