254

Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

Editor

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

Publisher

دار الكتاب العربي

Edition

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

Publication Year

١٩٩٩م

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ النِّزَاعَ عَلَى هَذَا يَرْجِعُ لَفْظِيًّا فِي تَسْمِيَةِ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ تَرْكًا لِضِدِّهِ، وفي تسميته طلبه نَهْيًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ فَلَمْ يثبت فيها ما يفيده ذلك.
ورد بمنع كون النزاع لَفْظِيًّا، بَلْ هُوَ فِي وَحْدَةِ الطَّلَبِ الْقَائِمِ بالنفس، بأن يكون طلب الفعل عين طَلَبِ تَرْكِ ضِدِّهِ.
وَأُجِيبَ ثَانِيًا: بِحُصُولِ الْقَطْعِ بِطَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِ فِعْلِ السُّكُونِ عين تَرْكِ الْحَرَكَةِ فِيمَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَرْكَ الْآخَرِ لا في الأضداد الوجودية، فطلب ترك أحدهما لا يكون طَلَبًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ تَرْكُهُ فِي ضِمْنِ ضِدٍّ آخَرَ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بالشيء ليس نَهْيًا عَنِ "الضِّدِّ"* وَلَا نَقِيضِهِ. بِأَنَّهُ: لَوْ كان الأمر بالشيء عَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ وَمُسْتَلْزِمًا لَهُ لَزِمَ تَعَقُّلُ الضِّدِّ، وَالْقَطْعُ حَاصِلٌ بِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ خُطُورِ الضِّدِّ عَلَى الْبَالِ "وَهَكَذَا الكلام في النهي"**.
وَاعْتُرِضَ "عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ"*** بِأَنَّ الَّذِي لَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ مِنَ الْأَضْدَادِ إِنَّمَا هُوَ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَلَيْسَتْ مُرَادَّةً لِلْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، بَلِ الْمُرَادُ الضِّدُّ الْعَامُّ، وَهُوَ مَا لَا يُجَامِعُ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَتَعَقُّلُهُ لَازِمٌ لِلْأَمْرِ والنهي؛ إذ طلب الفعل موقوف على العلم بعدمه لانتفاء طلب الحاصل المعلوم حُصُولُهُ، وَالْعِلْمُ بِالْعَدَمِ مَلْزُومٌ لِلْعِلْمِ بِالضِّدِّ الْخَاصِّ، والضد الخاص ملزوم للضد العام، فلا بد مِنْ تَعَقُّلِ الضِّدِّ الْعَامِّ فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ، وَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي النَّهْيِ عَنِ الشَّيْءِ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الِاعْتِرَاضِ مِنْ عَدَمِ التَّوَارُدِ، فَإِنَّ شَرْطَ التَّوَارُدِ الَّذِي هو مدار الاعتراض كون مورد الإيجاب١ والسلب٢ لِلْمُتَخَاصِمَيْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ قَوْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى طَرَفِ النَّقِيضِ لِقَوْلِ الْآخَرِ، وَالْمُسْتَدِلُّ إِنَّمَا نَفَى خُطُورَ الضِّدِّ الْخَاصِّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: إِنَّ الَّذِي لَا يَخْطُرُ هُوَ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ مُوَافَقَةً مَعَهُ فِيهَا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُنَاظَرَةُ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، نَعَمْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمُعْتَرِضِ مِنْ ذَلِكَ بَيَانُ غَلَطِ الْمُسْتَدِلِّ مِنْ حيث إنه اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مُرَادُ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنِ الضِّدِّ، فَزَعَمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَضْدَادُ الْجُزْئِيَّةُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الضِّدُّ الْعَامُّ، وَلَا يَصِحَّ نَفْيُ خُطُورِهِ بِالْبَالِ لِمَا تَقَدَّمَ فَحِينَئِذٍ تنعقد المناظرة٣ بينهما ويتحقق التوارد

* في "أ": ضده.
** ما بين قوسين ساقط من "أ".
*** ما بين قوسين ساقط من "أ".

١ هو الإثبات، وقضية موجبة أي: مثبتة نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ .
٢ هو النفي، وقضية سالبة، أي: منفية نحو: لا يخذل من قصد الحق.
٣ هي النظر بالبصيرة من الجانيين في النسبة بين الشيئين إظهارًا للصواب. ا. هـ. التعريفات "٢٩٨".

1 / 266