Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
حَقِيقَةً فِي جَمِيعِ مَعَانِي الْأَمْرِ الَّتِي سَيَأْتِي١ بيانها لأنه قد أُطْلِقَ عَلَيْهَا وَلَوْ نَادِرًا وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ: بأنه قد ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فِي الْمَنْدُوبِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الواجب، وَجَعْلُهَا لِلْوُجُوبِ بِخُصُوصِهِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ، وَأَيْضًا مَا ذَكَّرُوهُ هُوَ إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِلَوَازِمِ الْمَاهِيَّاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الرُّجْحَانَ لَازِمًا لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَجَعَلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ لَهُمَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَاللُّغَةُ لَا تُثْبِتُ بذلك.
وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ، بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ تَعْيِينُ الصيغة لِمَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَعْيِينِهَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْوُجُوبِ كَمَا قَدَّمْنَا٢.
وَإِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا عَرَفْتَ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا تَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي إِلَّا بِقَرِينَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ٣ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ سَيِّدِهِ لِلذَّمِّ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ اسْمُ الْعِصْيَانِ، فَهُوَ مُكَابِرٌ وَمُبَاهِتٌ، فَهَذَا يَقْطَعُ النِّزَاعَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ وَمَا وَرَدَ مِنْ حَمْلِ أَهْلِهِ لِلصِّيَغِ الْمُطْلَقَةِ مِنَ الأوامر على الوجوب ففيما ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا مَا يُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ، وَلَمْ يأت من خالف هذا بشيء يعد به أصلًا.
١ انظر صفحة: "٢٥٤-٢٥٥".
٢ انظر صفحة: "٢٤٧".
٣ انظر صفحة: "٢٤٨".
صيغ الأمر ومعانيه:
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي المعنى الحقيقي للصيغة كما عَرَفْتَ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ اسْتِعْمَالِهَا فَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي معانٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ الرَّازِيُّ فِي "الْمَحْصُولِ": قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: صِيغَةُ افْعَلْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وجهًا:
للإيجاب كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاة﴾ ١.
وَلِلنَّدْبِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٢، ويقرب منه التأديب كقوله ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ: "كُلْ مِمَّا يَلِيكَ" ٣؛ فَإِنَّ الْأَدَبَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ بعضهم قسمًا مغايرًا
١ جزء من الآية "٤٣" من سورة البقرة.
٢ جزء من الآية "٣٣" من سورة النور.
٣ أخرجه البخاري من حديث عمر بن أبي سلمة ﵁ في الأطعمة باب التسمية على الطعام "٥٣٧٦". ومسلم في الأشربة باب آداب الطعام والشراب "٢٠٢٢". والترمذي في الأطعمة باب ما جاء في التسمية على الطعام "١٨٥٧". وأبو داود في الأطعمة باب الأكل باليمين "٣٧٧٧". وابن ماجه في الأطعمة باب الأكل باليمين "٣٢٦٧". والإمام أحمد في مسنده ٤/ ٢٦.
1 / 253