189

Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

Editor

الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا

Publisher

دار الكتاب العربي

Edition

الطبعة الأولى ١٤١٩هـ

Publication Year

١٩٩٩م

وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ حَالَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالنُّبُوَّةِ يَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حَرَامًا عِنْدَ الْمُشَاقَّةِ كَانَ اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجِبًا عِنْدَ الْمُشَاقَّةِ لِأَنَّ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ ثَالِثًا وَهُوَ عَدَمُ الِاتِّبَاعِ أَصْلًا.
سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْمُشَاقَّةِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ.
قَوْلُهُ: الْمُشَاقَّةُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ الْكُفْرِ، وَإِيجَابُ الْعَمَلِ عِنْدَ حُصُولِ الْكُفْرِ مُحَالٌ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشَاقَّةَ لا تحصل إلا مع الْكُفْرِ، بَيَانُهُ: أَنَّ الْمُشَاقَّةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ كَوْنِ أَحَدِ الشَّخْصَيْنِ فِي شِقٍّ وَالْآخَرِ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ، وَذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ أَصْلُ الْمُخَالَفَةِ سَوَاءٌ بَلَغَ حَدَّ الْكُفْرِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُشَاقَّةَ لَا تَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ الْكُفْرِ فلمَ قُلْتُمْ: إِنَّ حُصُولَ الْكُفْرِ يُنَافِي الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ؟ فَإِنَّ الْكُفْرَ بِالرَّسُولِ كَمَا يَكُونُ بِالْجَهْلِ بِكَوْنِهِ صَادِقًا فَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا بِأُمُورٍ أُخَرَ كَشَدِّ الزُّنَّارِ١ وَلُبْسِ الْغِيَارِ٢ وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي القاذورات، والاستخفاف بالنبي ﷺ، مَعَ الِاعْتِرَافِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا وَإِنْكَارِ نُبُوَّتِهِ بِاللِّسَانِ مَعَ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا وَشَيْءٍ مِنْ هذه الأنواع "كفر"* لَا يُنَافِي الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْإِجْمَاعِ.
ثُمَّ قَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ مُتَابَعَةِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا بِشَرْطِ مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ لَكِنْ بِشَرْطِ تَبَيُّنِ الْهُدَى أَوَّلًا. بِهَذَا الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُشَاقَّةَ الرسول ﷺ وَشَرَطَ فِيهَا تَبَيُّنَ الْهُدَى، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا اتِّبَاعَ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَبَيُّنُ الْهُدَى شَرْطًا فِي التَّوَعُّدِ عَلَى "اتباع"** غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ "لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا في المعطوف، واللام في الهدي للاستغراق، فليزم أَنْ لَا يَحْصُلَ التَّوَعُّدُ عَلَى"*** اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا عِنْدَ تَبَيُّنِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الهدى، ومن جملة

* في "ب": من الكفر.
** في "ب": متابعة.
*** مابين قوسين ساقط من "أ".

١ الزنار: علامة للكفار، وهو خيط رفيع غليظ على أوساطهم خارج الثياب، وليس لهم إبداله بما يلطف كالمنديل "شفاء الغليل: ١٤٥".
٢ الغيار: هو علامة للكفار كالزنار؛ وفي شرح المهذب: أن يخطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكون الخياطة على الكتف دون الذيل، والأشبه أن لا تختص بالكتف "شفاء الغليل للخفاجي: ١٤٥".

1 / 199