Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
هَذَا الْكَافِرُ، وَالْجَامِعُ أَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ تَنْفِيذٌ لِقَوْلِهِ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَالْكُفْرُ يَقْتَضِي الْإِذْلَالَ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْكَافِرُ جَاهِلٌ لِكَوْنِهِ كَافِرًا لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ عُذْرًا.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ اسْمَ الْفَاسِقِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِالْمُسْلِمِ الْمُقْدِمِ عَلَى الْكَبِيرَةِ.
وَعَنِ الثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الْكُفْرَ الْخَارِجَ عَنِ الْمِلَّةِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ صَاحِبِ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَمَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ هَكَذَا قَالَ الرَّازِيُّ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُبْتَدِعِ جَوَازُ الْكَذِبِ مُطْلَقًا لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ قَطْعًا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ مَذْهَبِهِ جَوَازُهُ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَالْكَذِبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، أَوِ الْكَذِبِ فِيمَا هُوَ تَرْغِيبٌ فِي طَاعَةٍ، أَوْ تَرْهِيبٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، لَا يُقْبَلُ، قِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يُقْبَلُ، وَهُوَ رَأْيُ الْجُوَيْنِيِّ وَأَتْبَاعِهِ.
وَالْحَقُّ: عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا فِي الْأَوَّلِ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ فِي ذلك الأمر الخاص في الثاني، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ.
وَبَيْنَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ لَا يَسْتَجِيزُ الْكَذِبَ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ:
رَدُّ رِوَايَتِهِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ فَسَقَ بِبِدْعَتِهِ فَهُوَ كَالْفَاسِقِ بِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي:
أَنَّهُ يُقْبَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى١ وَالثَّوْرِيِّ٢ وَأَبِي يُوسُفَ٣
١ هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، العلامة الإمام، مفتي الكوفة وقاضيها، ولد سنة نيف وسبعين هـ، كان نظيرًا للإمام أبي حنيفة في الفقه، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة هـ، ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٦/ ٣١٠"، تهذيب التهذيب "٩/ ٣٠١"، الجرح والتعديل "٧/ ٣٢٢".
٢ هو سفيان بن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله، الشيخ الإمام الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث، سيد العلماء العاملين في زمانه، ولد سنة سبع وتسعين هـ، وتوفي سنة إحدى وستين ومائة هـ. من آثاره: "الجامع الكبير والجامع الصغير" كلاهما في الحديث، وله "كتاب في الفرائض". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٧/ ٢٢٩"، الأعلام "٣/ ١٠٤".
٣ هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الكوفي، الإمام المجتهد، المحدث العلامة، قاضي القضاة، صاحب الإمام أبي حنيفة، ولد سنة ثلاث عشرة ومائة هـ، وتوفي في خلافة الرشيد ببغداد سن اثنتين وثمانين ومائة هـ، من آثاره: "الخراج" "الآثار" "اختلاف الأمصار". ا. هـ. سير أعلام النبلاء "٨/ ٥٣٥"، شذرات الذهب "١/ ٢٩٨"، الأعلام "٨/ ١٩٣".
1 / 141