Irshād al-Fuḥūl ilā Taḥqīq al-Ḥaqq min ʿIlm al-Uṣūl
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول
Editor
الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا
Publisher
دار الكتاب العربي
Edition
الطبعة الأولى ١٤١٩هـ
Publication Year
١٩٩٩م
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ: النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ عَنِ الْمَدْلُولِ، سَوَاءٌ قَامَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ الْخَارِجِيَّةُ بِالذِّهْنِ كَالْعِلْمِ أَوْ بِالْخَارِجِ عَنِ الذِّهْنِ، كَالْقِيَامِ، أَوْ لَمْ تَقُمْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا نَحْوَ شَرِيكُ الْبَارِّي مُمْتَنِعٌ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْخَبَرِ هُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ لِذَاتِهِ، وَهَذَا الْحَدُّ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا سَبَقَ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ هَلِ الْخَبَرُ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، أَمْ حَقِيقَةٌ فِي اللَّفْظِيِّ مَجَازٌ فِي النَّفْسِيِّ أَمِ الْعَكْسُ كَمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِأَنَّ الْخَبَرَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِهِ وَإِذَا عَرَفْتَ الِاخْتِلَافَ فِي تَعْرِيفِ الْخَبَرِ عَرَفْتَ بِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَيْسَ بِخَبَرٍ وَيُسَمُّونَهُ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالنِّدَاءُ وَالتَّمَنِّي والعرض والترجي والقسم.
النوع الثاني: أقسام الخبر من حيث الصدق والكذب
النَّوْعُ الثَّانِي: إِنَّ الْخَبَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى صِدْقٍ وَكَذِبٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْقَرَافِيُّ، وَادَّعَى أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعِ الْخَبَرَ إِلَّا لِلصِّدْقِ وَلَيْسَ لَنَا خَبَرٌ كَذِبٌ وَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْوَاضِعِ وَنَظِيرُهِ قَوْلُهُمْ الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ مِنَ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: قَامَ زَيْدٌ، حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ إِنَّ مَعْنَاهُ صُدُورُ الْقِيَامِ أَوْ عَدَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتِمَالُهُ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَوْضُوعٌ لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَامَ زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ لَهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ الْحُكْمُ بِحُصُولِ الْقِيَامِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ: بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَلَا يَقْدَحُ عَلَى الْقَرَافِيِّ بَلْ هُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَذَلِكَ مُجَرَّدُ دَعْوَى وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَدْحِ الصَّادِقِ وَذَمِّ الْكَاذِبِ وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ مَوْضُوعًا لَهُمَا لَمَا كَانَ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ مَوْضُوعٌ مِنْ بَأْسٍ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الصِّدْقُ وَالثَّانِي الْكَذِبُ وَأَثْبَتَ الْجَاحِظُ١ الْوَاسِطَةَ بينهما، فقال:
١ هو عمرو بن بحر بن محبوب، أبو عثمان، البصري المعتزلي، صاحب التصانيف، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين هـ، من آثاره: "الحيوان" "البيان والتبيين" "البخلاء" وغيرها كثير. ا. هـ. سير أعلام النبلاء "١١/ ٥٢٧" معجم الأدباء "١٦/ ٧٤".
1 / 123