ومن سورة الأحزاب
وقولُه تَعَالى: ﴿يُضَاعِفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾.
تَعَالى يخبر عن نفسه، ومَنْ شدد قال: تَقُولُ: أضعفت لَكَ الدّراهم، وضعَّفتُها إذا جعلتها مِثْلَيْها، وكان أبو عَمْرٍو يَقُولُ: إنَّما اخترتُ التَّشديد فِي هَذَا الحرفِ فقط لقوله مرَّتين، ومن قرأ بألفٍ فكأنه ضاعف لها العذاب أضعافًا مضاعفةً.
وقولُه تَعَالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ﴾.
اتَّفق القُراء عَلَى الياءِ. قَالَ ابنُ مجاهدٍ: وهي قراءةٍ النَّاسِ كِّلهم لأنَّ مَنْ وإن كانت كناية عن مؤنث هاهنا فإن لفظها لفظ واحدٍ مذكَّرٍ. فقيل «ومن يقنت» عَلَى اللَّفظ.
ولو رُدَّ عَلَى المعنى لقيل: «ومن تَقْنِت» بالتاء، وإنما ذكرت هَذَا الحرف لأنَّ أبا حاتِمِ السِّجستاني روى فِي الشُّذوذِ عن أبي جعفرٍ. وشيبة، ونافع بالتاءِ «وَمَنْ تَقْنُتْ» وهو صَوابٌ فِي العَرَبِيَّةِ خطأٌ فِي الرِّواية، فأمَّا:
قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿تَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا﴾.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «ويَعمَلْ .... يُؤْتِهَا» بالياء فردًّا عَلَى لفظِ «مَن» يؤتها بالياءِ اسمُ اللَّه تَعَالى أي: يؤتها اللَّه أجرها مرّتين.
وقرأ الباقون: «وتَعْمَلْ» بالتاءِ، لأنَّه لما قيل: «مِنْكُنَّ» فظهر التأنيث كان الاختيار و«تَعْمَلْ» لأن اللَّفْظَةَ إذَا نُسِقَتْ عَلَى شَكْلِهَا وما قَرُبَ مِنْها أحرى وأولى من أن تُنَْسَقَ على ما بعدها، وقرءوا «نؤْتِهَا» بالنون، اللَّه تَعَالى يخبر عن نفسه، وهو الاختيار، لقوله بعد الآية: ﴿وَأعْتَدْنَا لَهَا رِزِْقًا﴾ ولم يَقُل ويُعتد لها، وهذا واضحٌ.
فإن قيلَ لَكَ: ما المَصدر من اعتدى ومن أعتدنا؟ .
فالجواب فِي ذَلِكَ: أن اعتدى التاء زائدةٌ، وألفها ألفُ وصلٍ، والمصَدر: اعتدى يعتدى اعتداءً فهو معتد: اعتد يا هَذَا، وهو افتعل من العُدوان والظُلم، وألف اعتدنا ألفُ قطعٍ والتاء أَصلية، وكذلك: «وَأَعْتَدَتْ لهن متكأ» المصدر من اعتد يُعْتِدُ إعتادًا. فهو معتِدٌ مثل أَكْرَمَ يُكْرِمُ إكرامًا فهو مُكْرِمٌ والأمر: أعتدِ مثل أكرِمْ، ومثله: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عتيد﴾. أي: معه معتد، وعتيد: فعيلٌ بمعنى مفعول، فعلى هَذَا يقال: عَتَدَ يعتد، وأعتد يعتد. والأمر يا هذا.