وقرأ الباقون: «لنُبَيِّتَنَّهُ ... ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالنون.
وفيها قراءة ثالثة: حدثني أحمد، عن علي، عن أبي عبيد أن حميدا قرأ:
«لنبيتنه .. ثُمَّ لَنَقُوْلَنَّ» بالياء جعل الإخبار عن غَيْبٍ. وهذه النُّون مشدَّدةٌ فِي يبيِّتنُ ويقولُن أسقطت الواو، والأصل ليبيِّتون، وليقولون، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين.
ويقال: باتَ فلان يفعل كذا: إذا فعله ليلًا. وظلَّ فلانٌ يفعل كَذَا: إذا فعل نَهارًا.
ويٌُقال: طَرَقُهْم أتاهم لَيلًا، أَوَّبَهُمْ أتاهم نهارًا.
وقولُه تَعَالى: ﴿مَاْ شَهِدْنَاْ مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.
فِيهِ ثلاث قراءات:
قرأ عاصم - فِي رواية أَبِي بَكْر -: «مَهْلَك» بفتح اللام والميم.
وقرأ فِي رواية حفص: «مَهِلكَ» بكسر اللام وفتح الميم.
وقرأ الباقون: «مُهلَك» بضمّ الميم، وفتح اللام.
فمن ضمَّ جعله مصدرًا من أَهلك مُهلكًا، مثل: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ومن كَسَرَ اللَّامَ أو فَتَحَها على قراءةِ عاصمٍ مصدرَ هَلَكَ ثلاثيًا لا رباعيًا. وقد أحكمتُ هذا فِي سورة «الكهف» ويقال: هَلَكَ زيدٌ، ماتَ، وهَلَكَ إذا وقع فِي بَلِيَّةٍ، وجمع هالك: هُلَّاك وهالكون، وأما قولهم فِي المثل: «هالك فِي الهوالك» فإن هذا جَرى كالمثل لا يٌقاس عليه، لأنَّ فواعل جمع لفاعِلَةٍ لا لفاعل وإنما جاءَ فارسٌ، وفوارس، لأنَّ الفروسية تكون فِي الرِّجال دون النّساء، فأَمِنُوا اللَّبسَ و﴿رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ قال المُبَرِّدُ: كلُّ صفةٍ على فاعل نحو ضارب وجالس فإنه لا يجمعه على فواعل إلا نحو ضوارب، وجوالس فرقًا بين المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، تَقُولُ المؤنث: امْرَأَة صالحة، وضاربة، والجمع صوالح، وضوارب، وجوالس، قرأ طَلْحَةَ: «فالصَّوَالحْ، قَوَانتْ حوافظ للغيب» فأما قولُ الشّاعِرُ:
وإذَا الرِّجَالُ رَأَوا يَزِيْدَ رَأَيْتَهُمْ ... خَضُعَ الرِّقاب نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ
فإنه اضطُرَّ إلى ذلك. ويُقالُ: تَهَالَك الرَّجل لِفُلانٍ: إذا تواضع له، وامرأةٌ هلوكٌ:
فاسدةٌ. ويُقال: اهتلك يَهْتَلِكُ: إذا اجتهد فِي الطّيران وغيره، قال: زُهير يَصِفُ صَقْرًا:
دونَ السَّماءِ وفوقَ الأَرضِ قَدْرُهُمَا ... عند الذنابى فلا فوت ولا درك