238

Īqāẓ ulī al-himam al-ʿāliyya ilā ightinām al-ayām al-khāliya

إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأيام الخالية

فإذا انصرفت فأعد عليه ذكر العقد، ثم أعلمني بما يقول لك، ففعل الحاج ذلك، فلما كان في اليوم الرابع، جاء عضد الدولة في موكبه العظيم، فلما رأى الحاج وقف، وقال: سلام عليكم، فقال الحاج -ولم يتحرك-: وعليكم السلام.

فقال: يا أخي، تقدم من العراق ولا تأتينا، ولا تعرض علينا حوائجك! فقال له: ما اتفق هذا، ولم يزد على ذلك شيئا، هذا والعسكر واقف بكماله، فانذهل العطار، وأيقن بالموت.

فلما انصرف عضد الدولة، التفت العطار إلى الحاج، وقال له: يا أخي، متى أودعتني هذا العقد؟ وفي أي شيء هو ملفوف؟ فذكرني لعلي أتذكر، فقال: من صفته كذا وكذا، فقام وفتش، ثم فتح جرابا وأخرج منه العقد، وقال: الله أعلم أنني كنت ناسيا، ولو لم تذكرني ما تذكرت.

فأخذ الحاج عقده ومضى إلى عضد الدولة، فأعلمه [فبعث به مع الحاجب إلى دكان العطار] فعلقه في عنقه، وصله على باب دكانه ونودي عليه: هذا جزاء من استودع فجحد! ثم أخذ الحاج العقد ومضى إلى بلاده.

ومثله ما نقل عن ذكاء إياس الذي سارت به الركبان، قيل: إن رجلا استودع أمين إياس مالا، وخرج المودع إلى الحجاز، فلما رجع طلبه فجحده فأتى إياسا فأخبره، فقال إياس: أعلم أنك أتيتني؟ قال: لا، قال: أفنازعته عند غيري؟ قال: لا، قال: فانصرف واكتم سرك، ثم عد إلي بعد يومين.

فمضى الرجل، ودعا إياس أمين، فقال: قد حضر عندنا مال كثير أريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك؟ قال: نعم, قال: فأعد موضعا للمال، وقوما يحملونه، وعاد الرجل إلى إياس، فقال: انطلق إلى صاحبك، فإن أعطاك المال فذاك، وإن جحد فقل له: إني أخبر القاضي بالقصة.

Page 239