لا حجة بهذه الآية (^١)، لأن الله سبحانه إنما ثبطهم وكره انبعاثهم لأن خروجهم لم يكن للجهاد، وإنما كان غرضهم المعاندة والفساد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً …﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (^٢).
والجواب أنا نقول: الحجة لنا في أن الله أمرهم بالخروج ولم يرد خروجهم لأنه ثبطهم عنه ولم يقدرهم عليه، وإن كان المعنى الذي ثبطهم لأجله هو ما ذكرت (^٣) من خروجهم للفساد فقد حال بينهم وبين ما أمرهم به بتثبيطه لهم، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (^٤). وهذا كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ (^٥) وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ (^٦).
استدل المخالف على أن الله لا يأمر إلا بما يريد وقوعه: أن صيغة الأمر وهو قوله: افعل، قد يرد والمراد به (^٧) الأمر، ويرد والمراد به التهديد، ويرد والمراد به الإباحة، وترد والمراد بها التصغير والتحقير كقوله ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٨). ولا بد من مخصص يقتضي كون هذه الصيغة أمرًا وليس ذلك إلا كون الآمر مريدًا لحدوث المأمور به (^٩).
(^١) (بهذه الآية) ليست في - ح-.
(^٢) التوبة ٤٦ - ٤٧.
(^٣) في - ح- (ما ذكره).
(^٤) الأنفال آية (٢٤).
(^٥) الكهف آية (١٠١).
(^٦) هود آية (٢٠) وفي - ح- أكمل الآية ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
(^٧) في - ح- (بها) هنا وفي المواضع الثلاثة الآتية.
(^٨) المؤمنون آية (١٠٨) وقوله (ولا تكلمون) ليست في - ح-.
(^٩) هذا مذهب المعتزلة القدرية في أن الأمر دليل على الإرادة وأن صيغة الأمر لا دليل عليها إلا إرادة الآمر وقوع الأمر. انظر: كلام أبي الحسن البصري المعتزلي في: المعتمد في أصول الفقه (١/ ٤٩ - ٥٦).