230

Al-ibdiʿāʿ fī maḍār al-ibtdiāʿ

الإبداع في مضار الابتداع

Publisher

دار الاعتصام

Edition

الخامسة

Publication Year

١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م

Regions
Egypt
النِّيَاحَة وما ينَال المَيِّت مِنهَا
جاء في الحديث الصحيح عن رسول اللّه ﷺ التصريح بتحريم النواح، وورد في الحديث: أن النائحة تكسى يوم القيامة قميصين: قميصًا من جرب، وقميصًا من قطران، فعن أبى مالك الأشعرى ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ: "أربع في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" رواه مسلم وابن ماجه، وسره أن الأجرب سريع الألم لتقرح جلده، والقطران يقوى شعلة النار فيكون عذابها بالنار بسبب هذين القميصين أشد العذاب، وروى أبو داود وغيره عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "لعن رسول اللّه ﷺ النائحة والمستمعة". والنواح: تارة يكون كبيرة، وتارة يكون صغيرة.
فالكبيرة ما يقتضى نسبة الرب ﷾ إلى الجور في قضائه والتبرم بقدره، وأن موت هذا ليس مصلحة، بل مفسدة عظيمة، إذا ذكرت النائحة كلامًا يقرر ذلك في النفوس ويحمل السامعين على اعتقاده، بأن تقول لفظًا يقتضى فرط جماله وكماله وشجاعته وبراعته مثلًا، وتبالغ فيما كان يفعله من إكرام الضيف والضرب بالسيف والذب عن الحريم إلى غير ذلك من صفات الميت التى يقتضى مثلها ألَّا يموت، فإن بموته تنقطع هذه المصالح ويعز وجود مثله ويعظم التفجع عليه
وأن الحكمة كانت تقضى ببقائه لتكثر تلك المصالح في الأمة، فمتى كان لفظها متضمنًا شيئًا من ذلك ولم تكن قاصدة نسبة الجور إليه تعالى وأن ما وقع مفسدة عظيمة كان محرمًا، فإن قصدت ذلك كان كفرًا وهو الغالب فيما يقع من نائحات اليوم، فإن غالب نواحهن اعتراض على الله فيما وقع.
يدل على ذلك زيادة على ما تقدم ما في الصحيحين عن ابن مسعود -رضى الله عنه- أن رسول اللّه ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية": أي ليس من أهل

1 / 232