186

Al-ibdiʿāʿ fī maḍār al-ibtdiāʿ

الإبداع في مضار الابتداع

Publisher

دار الاعتصام

Edition

الخامسة

Publication Year

١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م

Regions
Egypt
الغرض من الزيارة يكون برؤية القبور من غير معرفة أصحابها ولو قبور الكفار، ومن الزيارة التى يرجع نفعها إلى الزائر ما تكون لأداء حق كصديق ووالد فإنها وفاء وبر.
وأما إحسانه إلى الميت فبالسلام عليه والدعاء له بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية، وحينئذ فتسن الزيارة لكل مسلم، ففى الحديث الصحيح عن بريدة رضى الله عنه: "أنه ﵌ كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: السلام عليكم يا أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، نسأل الله لنا ولكم العافية" رواه مسلم، وفى حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: مر رسول الله صلي ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلاح عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" رواه الترمذى وحسنه. والأثَرَ بفتحتين وررى بكسر فسكون: أي على عقبكم.
فإنه ﵌ بين لنا فائدة زيارة القبور، وهى إحسان الزائر إلى نفسه بتذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والاتعاظ والاعتبار، وإلى أهل القبور بالسلام عليهم كما كانوا في حال حياتهم، والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية من جميع المحن.
فينبغى لمن يزور قبر الميت وليًّا كان أو غيره من المؤمنين أن يسلم عليهم ويسأل لهما العافية ويستغفر ويترحم، ثم يعتبر بحال من زار وما صار إليه حاله، وماذا سئل عنه، وبماذا أجاب، وهل قبره روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم يجعل نفسه كأنه مات ودخل القبر وذهب عنه أهله وماله وولده ومعارفه وبقى وحيدًا فريدًا ليس معه سوى عمله وهو الآن يسأل، فماذا يجيب، وما يكون حاله؟ ويملأ قلبه بهذا الاعتبار ويتعلق بمولاه بالخلاص من هذه الأمور الخطيرة التى لا يخلص منها إلا الاستقامة مع إحسان الله ورحمته، فعن أنس ﵁ أنه ﵌ قال: "يتبع الميت ثلاث: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله" متفق عليه.
* * *

1 / 188