Athar ikhtilāf al-asānīd waʾl-mutūn fī ikhtilāf al-fuqahāʾ
أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء
Publisher
دار الكتب العلمية
Publisher Location
بيروت - لبنان
تصرفهم من الزيادة قبولًا وردًا الترجيح بالنسبة إلى مَا يقوى عِنْدَ الواحد مِنْهُمْ في كُلّ حَدِيث، وَلاَ يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جَمِيْع الأحاديث (١).
من هَذَا العرض يتبين أن كثيرًا من الفُقَهَاء والأصوليين وفريقًا من المُحَدِّثِيْنَ قَدْ أطلقوا القَوْل بقبول زيادة الثِّقَة وجنحوا لِذلِكَ في كَثِيْر من الأحيان، والمرجوع إليه في مِثْل هذِهِ الأمور المُحَدِّثُوْنَ لا غيرهم، فَقَدْ كَانَ المُحَدِّثُوْنَ يحكمون عَلَى كُلّ رِوَايَة بما يناسبها، وهم المعوّل عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَة أحكام زيادة الثِّقَة، فيجب الرجوع إليهم وحدهم لكونها من ضمن تخصصاتهم النقدية، وليست هِيَ من تخصصات غيرهم.
ونظر المُحَدِّثِيْنَ يختلف في الحكم عَلَى الأحاديث؛ إِذْ إن زيادة الثِّقَة عندهم مِنْهَا ما هُوَ مقبول، ومنها مَا هُوَ مردود تبعًا للقرائن المحيطة بِهَا، والقرائن هِيَ الَّتِي تجعل الحكم مختلفًا من حَدِيْث لآخر فمن القرائن مَا يدل عَلَى أن الزيادة تَكُون أحيانًا مدرجة في الحَدِيْث، أو أَنَّهَا من قَوْل أحد رُوَاة الإسناد أو من حَدِيث آخر. قَالَ الحَافِظ ابن حجر: «مَا تفرد بَعْض الرُّوَاة بزيادة فِيهِ دُوْنَ من هُوَ أكثر عددًا أو اضبط مِمَّنْ لَمْ يذكرها، فهذا يؤثر التعليل بِهِ، إلا إن كَانَتْ الزيادة منافية بِحَيْثُ يتعذر الجمع. أما إن كَانَتِ الزيادة لا منافاة فِيْهَا بِحَيْثُ تَكُون كالحديث المستقل فَلاَ، اللَّهُمَّ إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تِلْكَ الزيادة مدرجة في المَتْن من كلام بَعْض رواته، فما كَانَ من هَذَا القِسْم فَهُوَ مؤثر» (٢).
وربما تَكُون الزيادة غَيْر صَحِيْحَة لأمر آخر رُبَّمَا لا يفصح عَنْهُ المحدّث كَمَا لا يستطيع أنْ يفصح الجوهري عن زيف الزائف (٣).
وربما قبل المُحَدِّثُوْنَ الزيادة الواقعة في بَعْض المتون أو الأسانيد لقرائن تخص ذَلِكَ ومرجحات خَاصَّة، وَهِيَ كثيرة، قَالَ العلائي: «ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلاَ ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص. وإنما ينهض بِذَلِكَ الممارس الفطن الَّذِي أكثر من الطرق والروايات؛ ولهذا لَمْ يحكم المتقدمون في هَذَا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بَلْ يختلف نظرهم بحسب مَا يقوم عندهم في كُلّ حَدِيث بمفرده» (٤).
وَقَدْ توهم من ظن أنَّ النقاد موقفهم واحدٌ في كُلّ الزيادات؛ إِذْ إن النقاد إذَا كانوا
(١) نظم الفرائد: ٣٧٦ - ٣٧٧، والبحر المحيط ٤/ ٣٣٦.
(٢) هدي الساري: ٣٤٧.
(٣) انظر مَا جرى لأبي حاتم الرَّازِيّ في الجرح والتعديل ١/ ٣٤٩ - ٣٥١.
(٤) نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر في النكت ٢/ ٧١٢.
1 / 328