البداية:
قلنا بأن القواعد الفقهية ذات فوائد جمة، ولها منافع عدة، وذلك على صعيد تجميع الفروع الفقهية في سلك واحد، وتيسير الرجوع إليها، وتكوين الملكة الفقهية عند المنشغل بها، وغير ذلك.
والتساؤل الشائك الذي يطرح في هذا الصدد، على الرغم من هذه الفوائد والمنافع، يتعلق بدور القواعد الفقهية في المجال الاستنباطي والتشريعي، فهل يمكن اعتبار القاعدة الفقهية دليلا شرعيا ومصدرا دينيا تُستنبط منه الأحكام والحلول الإسلامية لما يستجد ويحدث؟ وهل يمكن أن تتساوى هذه القاعدة مع نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء في إفادة الحكم والدلالة عليه واستنباطه، أم تبقى إطارا جامعا للفروع وحاويا للجزئيات، وأمرا شرعيا عاما ومعطى دينيا يُستأنس به ويُلتفت إليه من غير أن يكون لها دور في الاستنباط والاجتهاد والتشريع.
وهذا التساؤل يُعبر عنه العلماء والباحثون بمصطلح شرعي أصولي معروف، هو مصطلح (الحجية)، أو مصطلح (الدليلية)، أي هل تُعد القاعدة الفقهية حجة شرعية يُعوَّل عليها أو دليلا شرعيا يستند إليه في استنباط الأحكام واستخراجها.
ثم إنهم يطرحون هذا التساؤل، كما هو واضح، على سبيل الاستفهام، لا على سبيل التقرير، وذلك لِيَدُلُّوا به على وجود الاختلاف بين العلماء تجاه هذه الحجية والدليلية. ومعلوم أن العلماء والدارسين والمحققين قد انقسموا إلى فريقين تجاه حجية القواعد، فمنهم من منع جعل القاعدة الفقهية دليلا شرعيا، ومنهم من جعلها كسائر أدلة الشرع الأخرى. وقد أورد كل فريق أدلته، محتجا لها، ومعترضا على أدلة مخالفيه ومناقشا لها ومبرزا ضعفها ومرجوحيتها حسب نظره واجتهاده.
والنظر الدقيق والتحقيق العميق لكل هذه الأقوال وأدلتها ودلالاتها يجعلنا نقول بأن الاختلاف الواقع فيها إنما هو اختلاف لفظي وظاهري في معظمه، أو أنه اختلاف وارد بحسب بعض الحيثيات والاعتبارات والمعطيات التي يضعها أصحابها في تقرير ما يقولون ويتبنون.
ويستحسن بالباحث إيراد هذين الاتجاهين باختصار شديد جدا، ثم بيان