- أن العمل بغلبة الظن واجب، والاستقراء الناقص يفيد الظن الغالب - كما هو معلوم - ، فتكون حجته مقبولة ومعتبرة. قال ابن مفلح: (الاستقراء دليل لإفادة الظن، ذكره بعض أصحابنا وغيرهم)(١). وقال البيضاوي: (الاستقراء ... ، يفيد الظن، والعمل به لازم)(٢). وقال الغزالي: (قد عهد من الشارع إقامة مظان الأمور مقام الأمور المقصودة في إفادة الأحكام، فأقيم النوم، الذي هو مظنة خروج الحدث، مقام الحدث)(٣).
- أن تتبع جميع الجزئيات متعذر أو مستحيل، وذلك لعدم انحصار هذه الجزئيات، بسبب كثرتها وتطورها وما يتعلق بها من ملابسات وحيثيات قد تجعلها محل خلاف وتناظر بين العلماء من حيث اعتبارها من قبيل الجزئيات التي ينبغي أن تلحق بالأمر الكلي أم لا.
هذا فضلا عن الجزئيات المعدومة أو المجهولة التي تنشأ أو تظهر كل حين، والتي يحكم عليها بحكم الجزئيات التي تم استقراؤها وتتبعها بغرض تقرير النتيجة الكلية المستخلصة بالاستقراء. فلو اشترط استقصاء جميع الجزئيات لانتفى أثر الاستقراء ولانتفت فائدته المتمثلة في صياغة النتائج الكلية والقواعد العامة، وفي قياس المستجدات والنوازل عليها وإلحاقها بها.
يقول المظفر: (ولا شك أن أكثر القواعد العامة غير متناهية الأفراد، فلا يمكن تحصيل الاستقراء التام فيها)(٤).
ويقول ابن عاشور معرفا الاستقراء، ومبينا اقتصاره على ما دون جميع الجزئيات: (هو تتبع الجزئيات لإثبات حكم كلي، وإنما اعتبر دليلا لأن الكلية لم تكن ثابتة ولا دليل عليها إلا تتبع الجزئيات، ولأنها بعد ثبوتها يستدل بها على أحكام جزئيات مجهولة)(٥).
(١) أصول ابن مفلح: ٤ / ١٤٤٩.
(٢) المنهاج للبيضاوي بشرح الأصفهاني: ٧٥٩/٢.
(٣) شفاء الغليل: الغزالي: ص ٢١٣.
(٤) المنطق: ص ٢٦٤ نقلا عن العموم المعنوي: ص ١٧٦.
(٥) حاشية التوضيح: ٢٢٤/٢ نقلا عن نظرية المقاصد عند ابن عاشور: الحسني: ص ٣٥٦.