التأمين التجاري. وقد استند أصحاب القرار إلى جملة قواعد، منها: قاعدة النهي عن الغرر، وقاعدة النهي عن أكل أموال الناس بالباطل وأخذ مال الغير بلا مقابل، وقاعدة الإباحة الأصلية. ومعروف لدى العارفين بالقواعد مدى أهمية هذه القواعد في مجال المعاملات المالية بالخصوص، ومدى عناية الأوائل والأواخر بها في الفهم والتطبيق.
المثال الخامس: التطهر بمياه المجاري بعد تنقيتها:
نكتفي بعرض القاعدة التي استند إليها في استصدار الحكم الفقهي لهذه النازلة، فقد جاء في القرار: إن ماء المجاري إذا نُقِّي بالطرق المذكورة أو ما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثر في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه صار طهورا يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به، بناء على القاعدة الفقهية التي تقرر أن الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر فيه والله أعلم (١).
فالذي يهمنا في هذا السياق الاستدلال بالقاعدة الفقهية (الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه إذا لم يبق لها أثر)، فهذه هي العادة غالبا في عرض الحكم الفقهي، إذ يُشفع بعرض قاعدته أو أصله أو دليله الذي كان الأساس في قيامه.
ولعل عرض هذا المثال يقتضي تعليقا جزئيا ودقيقا إزاء التعبير بالقاعدة على هذا الأصل، في حين أنه ضابط فقهي وليس قاعدة فقهية، وذلك لتعلقه بباب فقهي واحد، ألا وهو باب الطهارة. ومعلوم في علم القواعد أن من فروق القاعدة عن الضابط، كون القاعدة تشمل فروعا من أبواب فقهية مختلفة، وكون الضابط يشمل فروعا من باب فقهي واحد. ولكن أصحاب هذا التعبير قد يُعذرون إذا أخذنا بعين الاعتبار إطلاق الأوائل عبارة القاعدة على الضابط، إذ لم يفرق معظم القدماء بين القاعدة والضابط، وكانوا يطلقون هذا على ذاك لانعدام التدوين النهائي لعلم القواعد ونظريتها.
(١) الدورة الحادية عشرة المجمع الفقهي، القرار الخامس، رجب سنة ١٤٠٩ هـ / فبراير ١٩٨٩ م. وينظر مجلة البحوث الإسلامية العدد ٤٩، سنة ١٤١٧، ص ٣٦٥، ٣٦٦.