وقيام كل الليل، وترك الزواج عند الحاجة إليه، وغير ذلك. فهذه الأعمال لا يتحملها الإنسان، وإن تحملها في وقت ما أو في ظرف معين، فإنه لا يمكنه المحافظة عليها بصورة دائمة ومنتظمة وبكيفية حقيقية وذات جدوى، ولذلك عُدت هذه المشقة مشقة غير معتادة أو مشقة فوق الطاقة، وعليه فإنها تكون جالبة للتيسير والتخفيف. ويتمثل هذا التيسير في ترك هذه الأعمال وعدم تكليفنا بها، وذلك تخفيفا من الله تعالى ورحمة بنا ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا((٢٨)﴾(١).
أما المشقة التي يستطيع الإنسان تحملها فلا تجلب التيسير ولا التخفيف، ويجب على المسلم تحملها والقيام بالعمل المنوط أو المرتبط بها. ويمكن أن نسمي هذه المشقة ب (المشقة المعتادة). وبعض العلماء أطلقوا عليها اسم المشقة اللازمة للفعل(٢)، أي المشقة التي لا ينفصل الفعل عنها أو التي لا بد منها في القيام بالفعل.
ومثال هذه المشقة:
المحافظة على الصلوات في أوقاتها المحددة ويكيفياتها المعروفة(٣)، واستحضار ما تتطلبه الصلوات من استقامة وتخلق وتأدب، ومن صبر على المعصية ومقدماتها ومغرياتها، فإن مشقة كل هذا يقدر الإنسان عليها ويستطيع تحملها وتحمل أعمالها التي ترتبط بها، وعليه فقد كُلف المسلم بهذه الأعمال وأمر بها على وجه الإلزام والفرض، وتوعده الخالق جل وعلا في حال تركها والتهاون فيها بأشد العقوبات في الدارين.
أداء صوم رمضان في فصل الشتاء والصيف، في العمل والإجازة، في الشدة والرخاء، في الحرب والسلم، فإن مشقة هذا الصوم مشقة مقدور عليها في العموم والشمول، باستثناء حالات المرض والسفر والصغر وما
(١) سورة النساء ٢٨.
(٢) قال المقري: الحرج اللازم للفعل لا يسقطه كالتعرض إلى القتل في الجهاد لأنه قدر معه. قواعد المقري: ٣٢٦/١.
(٣) يكون هذا في الأحوال العادية، أما الأحوال الاستثنائية، كحالة السفر وحالة المرض، فإن الصلوات تُفعل بحسب المستطاع.