ومعلوم أن الصحابة - رضي الله عنهم - قد تحملوا خطاب الوحي تحملاً كاملاً، وقد وقفوا في فهمه وتمثله عند منطوقه ومفهومه، عباراته وإشاراته، في مبناه ومعناه، في خاصياته ومعالمه.
كما أنهم فهموا وعلموا أن الرسول ﷺ يتكلم بجوامع الكلم وينطق بالعبارات الجامعة المانعة الدالة على استغراق المعاني الكثيرة وشمول الفروع التي لا تحصى. وهم يعلمون أن لكل ذلك فوائده ومنافعه، سواء على مستوى تقرير خاصية النبوة المباركة فيما يتعلق بالإيجاز البليغ وبالكلام المعجز، أو على مستوى تقرير الخاصية الأدبية للمسلم فيما يتعلق بضرورة القول المفيد وترك اللغو والثرثرة (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)(١)، أو على مستوى تقرير صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان فيما يتعلق بوضع القواعد والمبادئ العامة التي يمكنها أن تستوعب مختلف الفروع والجزئيات والمستجدات التي تحدث في كل وقت وحين.
وإذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - قد علموا هذا الأسلوب الجامع الجوامعي (بجوامع الكلم) وتلقوه من النبي الأكرم ﷺ، فلا شك أنهم سيقلدونه فيه وسيعملون به في كلامهم ودعوتهم واجتهادهم وإفتائهم...، وذلك بناء على واجب الاقتداء به ﷺ وواجب التأسي بسنته ومنهجه وسيرته.
والخلاصة أن طابع التقعيد في الكتاب والسنة كان له الأثر في نفوس الصحابة - رضي الله عنهم - فقد نزعوا إلى التقعيد والتأصيل، وإن لم يصرحوا بذلك.
ونزوعهم هذا يعد ضرباً من ضروب الاهتداء بالوحي القرآني والنبوي، هذا الوحي الذي كان قد نحا منحى التقعيد والتأصيل، فضلاً عن منحى التفصيل والتبيين والتفريع. وكل هذا بحسب المواضع والحيثيات والمقامات والظروف.
*الشاهد ٢: نطق الصحابة - رضي الله عنهم - ببعض القواعد الفقهية:
نطق الصحابة - رضي الله عنهم - ببعض العبارات والجمل التي جرت مجرى
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ...