وبعد هذا العصرُ العصرَ الثاني بعد عصر النبوة المباركة، من حيث المكانة التشريعية، ومن حيث الأمانة التاريخية في تبليغ الدين الإسلامي وتعليمه وتفعيله في شتى بقاع الأرض. - فعلى مستوى المكانة التشريعية اعتبر الصحابة - رضي الله عنهم - الجيل البشري الذي صحب رسول الله ﷺ وعاصر نزول الوحي الكريم وأدرك الحوادث والوقائع الحياتية المختلفة التي كانت مناسبات لنزول القرآن الكريم ولورود السنة الشريفة. وقد كان لهذه الصحبة والمعاصرة الدور البارز والبالغ في فهم النصوص واستنباط الأحكام وإيجاد الحلول وإدراك الأسرار والغايات والمقاصد الشرعية، واستيعاب القرائن والمعطيات وسائر ما يتعلق بمنظومة الدين الإسلامي بوجه عام.
- وعلى مستوى الأمانة التاريخية عُدَّ الصحابة - رضي الله عنهم - الرعيل الأول الذي به تواصل المد الإسلامي المتعاظم والمتنامي بسبب الفتوحات الإسلامية التي عرفتها بلاد كثيرة في آسيا وإفريقيا وغيرهما. فقد كانوا في فتوحاتهم - رضي الله عنهم - القدوة القائدة والأنموذج الرائد على صعيد رسوخ العلم وعظم الخلق وقوة الاعتقاد وصفاء السريرة وعمق الإرادة الإصلاحية والتغييرية باليسر والسماحة والرحمة، ومن غير إكراه أو تعنيف، وبلا إفراط أو تفريط.
ومن بين الأعمال التي اشتغلوا بها في عصرهم العمل الفقهي بأصوله وقواعده، ولكن من غير أن يجعلوه فنا علميا مستقلا، أو مدونا تأليفيا خاصا، فلم يكونوا يتحدثون عن تعريف القاعدة الفقهية وعن فروعها ودليلها، وعن أنواعها ومستثنياتها وضوابطها، بل كانوا ينطقون ببعض القواعد في ملكاتهم الفقهية وفي ثقافتهم الإسلامية، ومن غير أن تأخذ طابع التأليف والتدوين وخاصية الاستقلال والإفراد.
وشواهد ذلك كثيرة، ويمكن إيراد بعضها فيما يلي:
شواهد الاهتمام بالقواعد في هذا العصر
* الشاهد ١: تحملهم لهدي الوحي الكريم (قرآنا وسنة). ومعلوم ما في هذا الهدي من قواعد عامة في شتى مجالات الحياة، كقاعدة التوحيد والعدل