والأحكام التي يحويها الحديث المقول وينطوي عليها الكَلِمُ الجامع، فهذا الأسلوب إذا أسلوب جمع وحصر وإحاطة بالفروع والجزئيات التي تقع فوق الحصر والضبط أحيانا، والتي يحتاج إلى تقعيدها وتأصيلها وتجميعها في إطار واحد حتى يسهل حفظها واستحضارها وحصرها.
ولذلك يلتجئ العلماء لأسلوب تقعيد القواعد، من أجل حصر الجزئيات وضبطها والسيطرة عليها. ويكون هذا واقعا بالخصوص انطلاقا من مبدأ التأسي والاقتداء بالسلوك النبوي المبارك الذي كان من صوره وشواهده النطق بجوامع الكلم والإيجاز البليغ في الألفاظ مع الاتساع العريض والاستغراق الوافي في المعاني والمدلولات. ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾(١).
* السنة المطهرة تتصل بالقرآن اتصالا وثيقا، فهي مؤكدة ومبينة له. وما قيل في كون القرآن أصلا للقواعد الفقهية يقال في السنة كذلك، فقولنا مثلا: إن القرآن يأمر باتباع العلماء في الخير والمعروف، وأن من أعمال العلماء صياغة القواعد الفقهية، فيكون العمل بهذه القواعد هو من صميم اتباعهم، فهذا المعنى المنصوص عليه في القرآن نلحظه بجلاء في السنة، فقد أمرت السنة بطاعة العلماء واتباع اجتهادهم وتوجيهاتهم. ومن هذه الاجتهادات والتوجيهات: تقعيد القواعد وتأسيس الأصول، حفظا لأحكام الدين من الضياع والتشتت.
وعليه فإن القرآن والسنة متوافقان ومتحدان لتقرير مشروعية القواعد باعتبارها أثرا للعلماء المأمور باتباعهم، وباعتبارها فنا دينيا له فوائده ومنافعه في حفظ الدين، بحفظ أحكامه، وبضبط هذه الأحكام في قواعد جامعة ومبادئ ضابطة وأطر حافظة.
المبحث الثاني
القواعد الفقهية في عصر الصحابة - رضي الله عنهم -
انتهى عصر النبوة المباركة بوفاة النبي المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه. وبمجرد انتهائه نشأ ما يُعرف - اصطلاحا تاريخيا فقهيا - بعصر الصحابة، رضوان الله عليهم.
(١) سورة النجم، الآيتان: ٣، ٤.