الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾(١)وفي غير ذلك من نصوص الكتاب الكريم.
* والقرآن هو أصل القواعد الفقهية من جهة كونه يأمر المسلمين بحفظ أحكام الدين فهما وعملا، تحملا وأداء. ومعلوم أن هذه الأحكام كثيرة ومتكاثرة، ولذلك كان لابد من جمعها حتى يسهل حفظها واستحضارها، ويكون هذا الجمع بوضعها في قواعد وأسس، تُعرف بالقواعد الفقهية.
وبناء على هذا، فإن التقعيد (أي وضع الفروع في قواعد) يكون مُحَقِّقًا الأمر الإلهي بحفظ الأحكام، إذ إن توقف حفظ هذه الأحكام يتوقف على معرفتها وسرعة استحضارها وعدم ضياعها أو ضياع بعضها بسبب التشتت والتداخل والضخامة، وهذه الأمور تتوقف على إعمال القواعد الفقهية وتفعيلها، فيكون - عندئذ - حفظ هذه الأحكام متوقفا على صياغة القواعد وتكوينها، ثم إعمالها وتفعيلها وتطبيقها. وهذا من قبيل (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
وصفوة القول: إن القرآن الكريم هو الأصل الأول لنشوء القواعد الفقهية وانبعاثها، وذلك باعتبار أن هذا القرآن هو أصل الأحكام الفقهية الفرعية التي تشكلت منها القواعد الفقهية.
غير أن هذه الأصلية تتفاوت ملامحها ومراتبها بحسب تفاوت مراتب الآيات ودرجاتها، من حيث الوضوح والخفاء والتصريح والتلميح، ومن حيث كثرة الشواهد والقرائن وقلتها، ومن حيث قوة العملية الاستنباطية وضعفها، وغير ذلك.
وما ينبغي التأكيد عليه أن القول بأصلية القرآن الكريم للقواعد الفقهية لا يعني جعل القرآن حاويا لطائفة من القواعد ذات صياغات وخصائص ومبان مثل ما عليه الأمر في كتب القواعد الفقهية المدونة والمنشورة في عالمنا ومكتباتنا، بل يعني اشتماله على جملة من الألفاظ والمعاني واللطائف والإشارات التي هيَّأت المواد الأولية والمكونات الأساسية التي نشأت بها القواعد ونمت ونضجت ثم استوت وتكاملت، ثم بعد ذلك أُعملت وطُبّقت. والله المستعان.
(١) سورة النساء، الآية: ٥٩.