﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(١)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾(٢)، فالتنصيص القرآني على هذه القواعد العامة والأصول الإجمالية يوحي بأهمية التقعيد والتأصيل في مجالات كثيرة، منها: مجال الفروع الفقهية الكثيرة التي يكون تجميعها في سلك واحد وفي إطار واحد محققا لأغراضه وأهدافه في تيسير الرجوع إليها، وسرعة استحضارها واستخراجها والإفادة بها، وغير ذلك.
* والقرآن الكريم أصل القواعد الفقهية من جهة كونه أصلا للسنة الشريفة التي هي أصل للقواعد الفقهية، فيكون أصل الأصل أصلا، أي أن القرآن أصل السنة والسنة أصل القواعد، فيكون القرآن أصلا للقواعد الفقهية.
ومعنى كون السنة أصلا للقواعد، أن السنة قد حوت كثيرا من العبارات والمعاني والأحكام الشرعية التي شكلت القواعد الفقهية وكونتها. وهو ما سنبينه في مطلب (القواعد الفقهية في السنة النبوية).
* والقرآن أصل القواعد من جهة كونه يأمر المسلم باتباع العلماء وإطاعتهم فيما فيه الخير والصلاح لهم، وفي حدود طاعة الله تعالى وطاعة رسوله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(٣)، فتكون طاعة أولي الأمر (العلماء والمجتهدين والمصلحين) من قبيل طاعة الله تعالى، إذ طاعتهم هي فعلٌ لأمر الطاعة الوارد في الآية المذكورة.
ولاشك أن صياغة العلماء للقواعد الفقهية وتدوينهم لها واشتغالهم بها هو من صميم علمهم وعملهم، وهو دال على عِلْمِيتهم الراسخة وتفقههم العالي. ومن ثم فإن كل هذا يدل على جدارتهم في تلقيبهم بالعلماء الواجب طاعتهم.
ولعل من ضروب هذه الطاعة الإقبال على القواعد التي قعدوها دراسة وتدريسا، فهما وإنهاما، تصورا وتطبيقا، أي أن الاشتغال بالقواعد الفقهية التي صاغوها وحرروها ودونوها هو من صميم طاعتهم واتباعهم، وهو داخل - حينئذ - في مدلول الأمر بالاتباع والطاعة الثابت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
(١) سورة الشورى، الآية: ٣٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.
(٣) سورة النساء، الآية: ٥٩.