مثال جزئي معاصر لهذه القاعدة:
قد يقوم الإمام أو المؤذن أثناء أداء صلاة الجماعة أو الجمعة بتعديل المضخمات الصوتية، بغرض تعديل الصوت وتحسينه وإزالة التشويش الذي قد يُصاحب الصوت. وهذا العمل يُعد من الأعمال اليسيرة المعفو عنها، وهو يُلحق بالأعمال اليسيرة الأخرى. وتجويز هذا العمل ثبت بتطبيق هذه القاعدة، أو استدل عليه بهذه القاعدة. وهذا هو الذي قصدناه بكون القاعدة تُعد دليلا شرعيا للاستنباط والاجتهاد.
شروط وضوابط الاستدلال بالقاعدة الفقهية
إن الاستدلال بالقاعدة الفقهية له شروطه وضوابطه التي لا بد من اعتبارها واستحضارها، حتى لا يكون هذا الاستدلال على عمومه وإطلاقه، ولكي لا يبقى على تعسفه وتكلفه، وحتى لا يؤدي إلى أحكام مخالفة للدين ومعارضة لأصوله وتعاليمه ومقاصده.
ويُحبذ قبل بيان هذه الشروط والضوابط، إيراد هذا المثال الذي كثيرا ما يعرضه بعض المتنطعين والجاهلين والمارقين. وهذا المثال يتعلق بقاعدة (لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان)، حيث يزعم هؤلاء أن الأحكام الشرعية ليست ثابتة ولا مستقرة، بل هي تتغير وتتبدل في كل زمان ومكان. والهدف الذي يريد هؤلاء الوصول إليه هو إبطال الشرع كله، واستبداله بغير ما أنزل الله تعالى.
ومعلوم أن هذه القاعدة لها ضابطها الذي لا يصح مدلولها إلا باستحضاره وإعماله. وهذا الضابط هو: أن الأحكام التي تتغير هي الأحكام الاجتهادية والظنية، أما الأحكام القطعية واليقينية، فلا تتغير ولا تتبدل، مهما تغيرت الأزمان وتبدلت الأحوال. ولكن هؤلاء الزاعمين علموا شيئا، وغابت عنهم أشياء، واكتفوا بقراءة (ويل للمصلين).
ومن هذه الشروط والضوابط:
أن تكون القاعدة الفقهية تفيد القطع أو الظن الغالب، وذلك بأن تتكون بأحد طرق إثباتها، كالنص عليها في القرآن والسنة، أو كاستقراء جزئياتها وفروعها، أو كحصول الإجماع عليها.