212

Ighāthat al-lahfān fī maṣāyid al-shayṭān

إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان

Editor

محمد حامد الفقي

Publisher

مكتبة المعارف،الرياض

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا إلى تكثير أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم، فإذا أعرض عما دعوا إليه، واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. فأى تعظيم لهم واحترام فى هذا؟.
وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة التى يكرهها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هجروا حقيقته المقصودة منه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفًا بما اشتملت عليه من الكلام الطيب والعمل الصالح، مهتما بها كل الاهتمام، أغنته عن الشرك، وكل من قصر فيها أو فى بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك.
ومن أصغى إلى كلام الله بقلبه، وتدبره وتفهمه أغناه عن السماع الشيطانى الذى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وينبت النفاق فى القلب. وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بكليته، وحدث نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، لا من غيره أغناه عن البدع والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات، التى هى وساوس النفوس وتخيلاتها.
ومن بعد عن ذلك فلا بد له أن يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله تعالى وذكره، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه: أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضًا عن عشق الصور. وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أى شئ استحسنه ملكه واستعبده.
فالمعرض عن التوحيد مشرك، شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع ضال، شاء أم أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبدُ الصُّورَ، شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
فصل
فإن قيل: فما الذى أوقع عباد القبور فى الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟
قيل: أوقعهم فى ذلك أمور:
منها: الجهل بحقيقة ما بعث الله به رسوله، بل جميع الرسل من تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فقل نصيبهم جدًا من ذلك. ودعاهم الشيطان إلى الفتنة، ولم يكن

1 / 214