وغيري يأكل المعروف سحتًا ... وتشحب عنده بيض الأيادي١
فإنه لم يرد أن يعرض بشاعر سواه فيزعم أن الذي قرف٢ به عند الممدوح من أنه هجاه كان من ذلك الشاعر لا منه، بل أراد أن ينفي عن نفسه أن يكون ممن يكفر النعمة ويلؤم لا غير.
واستعمال "مثل" و"غير" هكذا مركوز في الطباع، وإذا تصفحت الكلام وحدتهما يقدمان أبدًا على الفعل إذا نحى بهما نحو ما ذكرناه، ولا يستقيم المعنى فيهما إذالم يقدما.
والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوي الحكم به كما سبق تقريره، وسيأتي٣ أن المطلوب بالكناية في قولنا "مثلك لا يبخل" و"غيرك لا يجود" هو الحكم وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قصد بها، فكان تقديمها أعون للمعنى الذي جلبًا لأجله.
١ السحت الحرام. يشحب من الشحوب وهو تغير اللون. الأيادي النعم.
٢ أي اتهم.
٣ أي في باب الكناية.
موضع آخر من مواضع تقديم المسند إليه:
قيل وقد يقدم؛ لأنه دال على العموم، كما تقول كل إنسان لم يقم١، فيقدم ليفيد نفي القيام عن كل واحد من الناس؛ لأن٢
١ أي يقدم المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفي.
٢ هذا تعليل بدر الدين بن بن مالك في كتابة المصباح في علوم البلاغة ص١٣. هذا ولا بد من أن يكون المسند إليه مسورًا بكل والمسند مقرونًا بحرف النفي، وبقي شرط آخر وهو أن يكون المسند إليه بحيث لو أخر كان فاعلًا، بخلاف قولك كل إنسان لم يقم أبوه فلا يجب فيه تقديم. هذا والتقديم في هذا الموضع أي في مثل قولنا كل إنسان لم يقم يدل على عموم النفي وشموله أي على نفي الحكم عن كل فرد من أفراد ما أضيف إليه لفظ كل، يعني أن المسند إليه إذا استوفى الشروط المذكورة وكان القصد في تلك الحالة إلى إفادة العموم فيقدم المسند إليه لإفادة ما قصده إذ لو أخر لم يطابق مقصوده لعدم إفادته للعموم حينئذ؛ لأنه يدل حينئذ على نفي الحكم عن جملة الأفراد "أي الأفراد المجملة التي لم تعين بكونها كلا أو بعضًا بل أبقيت على شمولها للأمرين" لا عن كل فرد. فالتقدم يفيد عموم السلب، والتأخير يفيد سلب العموم.