331

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

القبور فزارها، وهو لا يعلم بالناسخ الذي أباح أبعد آثما أم لا يعد آثما؟ إنه على القول الأول يكون ملزماً بالناسخ، ولكن يعذر بالجهل، فإن فعل بموجب الناسخ غير عالم لا إثم عليه لأنه قد ارتفع عنه ما يوجب الإثم بالنسخ. هذا هو النظر الأول، وهو يتفق مع القول الأول، والنظر الثاني، أو القول الثاني إنه لا يلزم بالناسخ إلا إذا بلغه، أي أنه يكون مطالباً بحكم المنسوخ، حتى يبلغه الناسخ، فإذا زار القبور قبل أن يعلم بالنص المبيح، فهو آثم، لأنه عاص بنيته وفعله مستسهل لترك الفرائض، لأنه مطالب بموجب المنسوخ حتى يعلم الناسخ، وكل امرئ وما نوى.

٤٠٤ - هذا بحث أثاره ابن حزم، وفيه طرافة ودقة نظر؛ وهو يأخذ بالنظر الثاني، ويقول فيه: ((والذي نقول به إن النسخ لا يلزم إلا إذا بلغ، وبين ما قلنا قوله تعالى: ((لأنذركم به ومن بلغ)) فإنما أوجب الحكم بعد البلوغ، فلو أن من بلغه المنسوخ - ممن بعد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم لم يبلغه الناسخ - أقدم على ترك المنسوخ الذي بلغه دون علم بالناسخ وعمل بالناسخ كان عليه إثم المستسهل لترك الفرض لا إثم تارك الفرض، إلا أنه لا يجوز لمن علم نسخ الحكم أن ينفذ عليه حكم تارك الفرض، لأن كل واحد منهما له حكم ما بلغه)).

وبهذا يقرر ابن حزم أن عليه إثم النية، وليس عليه إثم ترك الفرض، وكأن هناك ثلاث مراتب فيمن فعل فعلاً منسوخاً لم يبلغه ناسخه.

٤٠٥ - المرتبة الأولى أن يكون مخطئاً في اجتهاد في عمله بالمنسوخ ولا إثم عليه إذا عمل بالناسخ، وإن كان من غير اجتهاد، والثانية أن مصيب في عمله بالمنسوخ، وعليه إثم المستسهل إن ترك المنسوخ وعمل بالناسخ على غير علم فلا يعد تاركاً للفرض، إنما يعد مستسهلاً ترك الفرض، وليس تاركاً للفرض لأنه لا فرض بعد النسخ، وإن لم يعلم به، والمرتبة الثالثة أن يعد تاركاً للفرض في زعمه واعتقاده لأن كل امرئ وما ينويه.

(١) الإحكام ج ٤ ص ١١٦.

331