قَوْله ﷺ: " يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام " أَقُول: هَذَا أَمر كَانَ قد تقرر فِي الْجَاهِلِيَّة، وأبقاه النَّبِي ﷺ، وَالْحَامِل على هَذَا الْفرق أُمُور:
مِنْهَا أَن بَوْل الْغُلَام ينتشر فيعسر إِزَالَته، فيناسبه التَّخْفِيف، وَبَوْل الْجَارِيَة يجْتَمع، فيسهل إِزَالَته:
وَمِنْهَا أَن بَوْل الْأُنْثَى أغْلظ وأنتن من بَوْل الذّكر.
وَمِنْهَا أَن الذّكر ترغب فِيهِ النُّفُوس وَالْأُنْثَى تعافها، وَقد أَخذ بِالْحَدِيثِ أهل الْمَدِينَة وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وأضجع فِيهِ القَوْل مُحَمَّد فَلَا تغتر بالمشهور بَين النَّاس.
قَوْله ﷺ: " إِذا أدبغ الأهاب، فقد طهر " أَقُول:
اسْتِعْمَال جُلُود الْحَيَوَانَات المدبوغة أَمر شَائِع مُسلم عِنْد طوائف النَّاس، والسر فِيهِ أَن الدّباغ يزِيل النتن والرائحة الكريهة.
قَوْله ﷺ: " إِذا وطئ أحدكُم بنعله الْأَذَى فَإِن التُّرَاب لَهُ طهُور " أَقُول النَّعْل والخف يطهر من النَّجَاسَة الَّتِي لَهَا جرم بالدلك لِأَنَّهُ جسم صلب لَا يَتَخَلَّل فِيهِ النَّجَاسَة وَالظَّاهِر أَنه عَام فِي الرّطبَة واليابسة.
قَوْله ﷺ فِي الْهِرَّة " إِنَّهَا من الطوافين والطوافات ".
أَقُول: مَعْنَاهُ على قَول أَن الْهِرَّة وَأَن كَانَت تلغ فِي النَّجَاسَات، وَتقتل الْفَأْرَة فهنالك ضَرُورَة فِي الحكم بتطهير سؤرها، وَدفع الْحَرج أصل من أصُول الشَّرْع، وعَلى قَول آخر حث على الْإِحْسَان على كل ذَات كبد رطبَة وَشبههَا بالسائلين والسائلات، وَالله أعلم.
(من أَبْوَاب الصَّلَاة)
اعْلَم أَن الصَّلَاة أعظم الْعِبَادَات شَأْنًا وأوضحها برهانا وأشهرها فِي النَّاس وأنفعها فِي النَّفس، وَلذَلِك اعتنى الشَّارِع بِبَيَان فَضلهَا وَتَعْيِين أَوْقَاتهَا وشروطها وأركانها وآدابها ورخصها ونوافلها اعتناء عَظِيم لم يفعل فِي سَائِر أَنْوَاع الطَّاعَات، وَجعلهَا من أعظم شَعَائِر الدّين، وَكَانَت مسلمة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وبقايا الْملَّة الإسماعيلية، فَوَجَبَ أَلا يذهب فِي توقيتها وَسَائِر مَا يتَعَلَّق بهَا إِلَّا إِلَى مَا كَانَ عِنْدهم من الْأُمُور الَّتِي اتَّفقُوا عَلَيْهَا، وَاتفقَ عَلَيْهَا جمهورهم وَأما مَا كَانَ من تحريفهم، ككراهية الْيَهُود الصَّلَاة فِي الْخفاف وَالنعال وَنَحْو ذَلِك، فَمن حَقه أَن يسجل على تَركه، وَأَن يَجْعَل سنة الْمُسلمين غير سنة