رد على ابن فارس في قوله: الاختيار موقوف على الشهوات
ولكن ابن فارس كان قد قال من قبل: أن اختيار الشعر موقوف على الشهوات (١)، فيتصدى المرزوقي للرد دون أن يسميه، وذلك بلجوئه إلى القول بوجود مقاييس نقدية عامة يشترك فيها زيد وعمرو وأن من أتقن تلك المقاييس وتدرب على استعمالها " لا ينظر إلا بعين البصيرة ولا يسمع إلا بأذن النصفة ولا ينتقد إلا بيد المعدلة " (٢)، ولابد لهذا الناقد من معرفة الجيد والرديء، فأما معرفة الجيد وحده فإنها لا تصنع ناقدًا، وإذا شئت أن تعرف النواحي السلبية فارجع إلى ما ذكره قدامة (دون أن يذكر المرزوقي اسمه) حول اللفظ الوحشي وقلق القافية وفساد القسمة والتقابل والتفسير والتناقض في المعنى، وارجع إلى ما قاله كل من قدامة والجرجاني (دون أن يذكر المرزوقي اسميهما) حول الخزرج عن العادة والطبع، وحول الحشو؟. وما إلى ذلك. نعم إن الناقد الحاذق قد يحيل أحيانًا على طبعه فيقول: " هكذا قضية طبعي " (ويكون ناقدًا كالذي وصفه الآمدي والجرجاني)، ولكن هذا لا يحدث إلا حين نطالبه بالخصائص الإيجابية للشيء المفقود، فأما الخصائص السلبية فإن التنبيه عليها ممكن، وإقامة البرهان فيها مستطاع، وكان المرزوقي يرى ان الكشف عن صنوف الرداءة، سيبقي في مجال الاستحسان كل ما لم يوصم بشيء من الرداءة، فإظهار مساوئ قصيدة كفيل أيضًا بالإبانة عما لا مساوئ فيه، وهذا يعد في باب الجيد فيقبله الذوق السليم، وإن لم يستطع إبراز ما فيه من صفات إيجابية.
(١) انظر ما سبق ص ١٢٩.
(٢) شرح الحماسة: ١٥.