في شعر جرير والفرزدق، ثم جاء بشار وأصحابه فزادوا معاني لم تخطر ببال جاهلين ثم كان ابن الرومي وشانه في المعاني شأنه، ويعقب على ذلك بقوله: "؟ إنني ذممت إلى المحدثين أنفسهم في أماكن من هذا الكتاب وكشفت لهم عوارهم ونعيت لهم أشعارهم، ليس هذا جهلًا بالح ولا ميلًا إلى بنيات الطريق، لكن غضًا من الجاهل المتعاطي والمتحامل الجافي الذي إذا أعطى حقه تعاطى فوقه، وادعى على الناس الحسد، وقال: أنا ولا أحد، وإلى كم أعيش لكم. وأي علم بين جنبي لو وجدت له مستودعًا، فإذا عورض في شعره بسؤال عن معنى فاسد، أو طولب بحجة في لجنة أو شاذ، أو نوظر في كلمة من ألفاظ العرب مصحفة أو نادرة. قال: هكذا اعرف، وكأنما أعطى جوامع الكلم؛ حاش لله، واستغفر الله، بل هو العمى الأكبر والموت الأصغر، وبأي إمام يرضى، أو إلى أي كتاب يرجع وعنده أن الناس أجمعين بضعة منه، بل فضلة عنه " (١) .
القلق من الربط بين الشعر والتكسب
وازداد إحساس الناقد الشاعر في القرن الخامس، بمشكلة طال بها الغناء، أهدرت كثيرًا من الجهد في تاريخ الشعر العربي، وأعني بها العلاقة بين الشعر والتكسب؛ حتى أصبحت عنصرًا من العناصر التي يسوقها من يهجنون الشعر ويفضلون عليه النثر، في حجاجهم؛ وقد كان النظر إليها من الزاوية المثالية سهلًا على شاعر ناقد كالمعري، لم يبتذل شعره من اجل الكسب، والتزم الزهد والتعفف مبدأ صارمًا، ولذلك تجده يسخر من هذا الموقف في حياة الشعر، فيدفع بطل رسالة الغفران (الشيخ ابن القارح) إلى ممارسة المدح على مختلف القوافي ليكون شعره شفيعًا له لدى رضوان وزفر الواقفين على بابين من أبواب الجنة، فإذا سئل الشيخ: ما الشعر - بلهجة الاستغراب - قال: " كان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات " (٢)؛
(١) العمدة ٢: ١٨٥.
(٢) رسالة الغفران: ٢٤٢ - ٢٤٣.