وقف وتساءل: كيف يمكن الاتفاق على الجيد من شعر المتنبي؟ أليس في مقدور الخصم أن يلحق بعض ما أعده جيدًا بالرديء؟ هذا باب " يضيق مجال الحجة فيه، ويصعب وصول البرهان إليه، وإنما مداره على استشهاد القرائح الصافية والطبائع السليمة التي طالت مارستها للشعر فحذفت نقده وأثبتت عياره وقويت على تميزه وعرفت خلاصه " (١) وهذا عين ما قاله الآمدي أيضًا حين وجد أن بعض الجيد يدق دون تعليل ما فيه من جودة، وقال بأن الناقد هو الذي يرضى قوله في مثل هذا دون أخذ ورد. ولكن الجرجاني اكثر تواضعًا من الآمدي، رجاء البلوغ إلى غايته الكبرى وهي اكتساب ثقة الخصم، ولذلك تراه يعقب على هذه اللفتة الآمدية بقوله: " وما أنكر أن يكون كثير مما عددته من هذه الأبيات ساقطة عن الاختيار غير لاحقة بالإحسان، وان منها ما غلب عليه الضعف، ومنها ما اثر فيه التعسف، ومنها ما خانه السبك فساء ترتيبه وأخل نظمه؟ ولكن الذي أطالبك به وألزمك إياه ألا تستعجل بالسيئة قبل الحسنة، ولا تقدم السخط على الرحمة، وغن فعلت فلا تهمل الإنصاف جملة وتخرج عن العدل صفرا " (٢)؛ ومن هذا يتضح لنا أن مبدأ " المقايسة " يصلح إلى حد لا يتجاوزه، فإذا جاء الدور الإيجابي في فحص الشعر رجاء استكشاف خواصه ومميزاته الفارقة بطلت المقايسة واضمحلت، وهذا ما كان الجرجاني على وعي تام به حين قال: " والشعر لا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة، ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة، وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة؛ وقد يكون الشيء متقنًا محكمًا ولا يكون حلوًا مقبولًا، ويكون وثيقًا وإن لم يكن لطيفًا رشيقًا " (٣)؛ وقد كرر الجرجاني هذا بعبارة أخرى فقال: " وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن وتستوفي أوصاف الكمال وتذهب في الأنفس
(١) الوساطة ٩٩ - ١٠٠.
(٢) الوساطة: ١٠٠.
(٣) المصدر نفسه.