" ولا اعرف شيئًا دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما نعلمه من إنفاق العقل الذي إذا ذهب الليلة عاد غدًا، وقد أوجد ربحًا من السرور تنتهز فرصته وتحلو لذته، فقد كره أبو الطيب ما احبه الناس، هذا مع فضائل يكثر عددها، وتتواتر مددها، منها ما يفعله الفرح في الجسم من زيادة اللحم والدم؟. وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان، ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جنبها، وتحمل على معاودة شربها، وهي الحان التي كرهها أبو الطيب " (١) . وحسبك أن يبلغ النقد الأدبي حد التدخل في هذه الشئون، التي ينكر الناقد فيها على الشاعر تجربته الذاتية، ويحاول أن يضع هو تجربته الخاصة موضعها لتكون مقياسًا للآخرين.
الشاعر مطرب ولا يعيبه عدم معرفة اللحن
ومن كانت هذه حاله لا نستكثر عليه أن يضيق أيضًا غاية الشعر جملة فيقول: " وأيضًا فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم، وغنما تروي لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها؟ وغنما تكتب أشعارهم لقربها من الإفهام، وأن الخواص في معرفتها كالعوام، فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمة من الناس لاستماعه، وان جهل اللالحان وكسر للأوزان، وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنى الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت، يعرض عنه إلا من عرف فضله، على انه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلمًا للمطربات من الفتيات يقومهن بحذقه؟ " (٢)؛ وهذا حكم يدل على نزول الشاعر على روح العصر، فما دام الناس لا يمكن أن يفقهوا الغوص على المعاني، والأساليب التي تنتحل جزالة البداوة (وينتقصها ابن وكيع بتسميتها الشعر الحوشي) فليقدم لهم الشاعر شيئًا سهلًا بسيطًا فيه عذوبة
(١) الورقة ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) الورقة: ٣٩/ ب.