ابن السكيت في المذكر والمؤنث، فقال: ليس ذلك فيه، فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد، أنا اكتب خيرًا منه، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط، فانقطع في يدي " (١) . ويريد ابن وكيع ان يسوغ انصرافه إلى الكشف عن أخطائه في اللغة مع انه ليس أمرًا داخلًا في منهجه العام، ولهذا يحدثنا أن موقفه ذلك كان أيضًا ردًا على المتعصبين الذين ينكرون الخطأ اللغوي على المتنبي، يقول: " وأنا اعرف رجلًا تزيد محبته أبا الطيب على محبته أمه وأباه وقد ذكره فقال: أما اللغة فكان إمامًا لم تضرب العرب بعصًا إلا وعنده منها خبر، وأما الشعر فإنه لسان الزمان لا ينطق أو يستأذنه، وأما النحو فهو فيه على مذهبه في النحو نحوي؟ " (٢) .
إيهامه بالموضوعية واختلافه في ذلك عن الحاتمي
غير انه يخالف الحاتمي في انه اقل منه اندفاعًا وانفعالًا، يتناول الأمور في هدوء يوهم بالموضوعية ويحاول أن يقصر حديثه على السرقة، ولذا تجده حين يروي قول المتنبي " وإن ظنوني في معاليك تظلع " يكتفي بأن يشير إلى موضع الأخذ من بيت لأبي تمام (٣)، ولكنه لا يوضح موقفه من هذه الاستعارة، كما وضحها الحاتمي.
(١) أورد ابن وكيع هذه القصة في الورقة ٣٢ - ٣٣، ثم باختلاف يسير في الورقة ١٦٠ - ١٦١ وفي الموضع الثاني يذكر أن المجلس كان عند الروذباري، ويزيد تفصيلا يبين أن في الرواية حذفًا يشوه موقف المتنبي، ذلك لأنه يقول في الموضع الثاني: " فأحضرنا الكتاب بخط بعض العلماء المعروفين وسمينا له كاتبًا " فكأن المتنبي حين قال: " ليس هذا بخط جيد " كان ينكر أن يكون للكاتب الذي سموه، وأما قوله " أنا لا أكتب خبرًا منه " فكلمة يبدو عليها الوضع لمجرد الإضحاك، من سوء الإحراج الذي زعموا تورطه فيه.
(٢) المنصف، الورقة ١٦٠ ب - ١٦١/ أ.
(٣) المنصف، الورقة: ٤٣/ أ.