الحزنة؟ وأما قولك من هذا الذي تعرى من الاتباع والاحتذاء وسلوك الطريق التي تقدم إليها غيره من الشعراء فلعمري إن الأمر على ما ذكرته. إلا أنه لا يحمد من الكلام ما كان غابًا ولا من المعاني ما كان مرددًا مكررًا. فلا يتسمح الشاعر بان يكون جمهور شعره عند التصفح مسترقًا ملصقًا ومجموعًا ملفقًا، ولا أن يكثر الاعتماد في شعره ويتناصر السرق في كلامه " (١) العيب إذن ليس في السرقة وإنما في طغيانها أولًا، وفي تقصير السارق عن مرتبة المسروق.
ومع أن المتنبي حسبما زعم الحاتمي أنكر أن تكون له معرفة بابي تمام والبحتري، نراه في المجلس الخامس، يورد نماذج من استعمارات أبي تمام وينحي عليها بالذم ويتهمه بالإحالة، وكأنه يردد أقوال خصوم أبي تمام، فيرد عليه الحاتمي بان يورد عيون شعر حبيب، ويدافع عن بعض استعاراته، ويتهم المتنبي بأنه تأثر حتى بالمعيب من أشعار أبي تمام واحتذاها، ثم يضع على لسان المتنبي السؤال الآتي: " هل تجد لأبي تمامكم هذا لو بحتريكم معنى اخترعاه " (٢) لتكون الإجابة على ذلك إيراد المعاني التي اخترعاها، وكأن هذا المجلس لم يقصد به المتنبي، وإنما قصد به إظهار تفوق الطائيين على كل شاعر، وتفوق أبي تمام على الجميع، وهذا داخل في ما رأيناه قبلًا من تحمس الحاتمي للدفاع عن أبي تمام.
نظرة إجمالية في الموضحة
تلك هي الموضحة: وضحت موقف الحاتمي من قضايا النقد الأدبي، فأظهرت رأيه في حدود الشعر، وفي الاستعارة وفي عيوب المبنى الشعري وفي السرقة، وفي المفاضلة (أو الموازنة) بين المعاني المبتكرة لدى المتنبي من ناحية والطائيين من ناحية أخرى، ودلت على مدى اطلاع الحاتمي وعلى احتفاله الشديد بإبراز قدرته على الحفظ للأشعار واللغة، واستغلال هذه
(١) الموضحة: ١٤٩ - ١٥٠، ١٥١.
(٢) نفسه: ١٨٦.