لم لم يهتم بالسرقات رغم احتفاله بالمعنى
وهذا التركيز الشديد جعله يصدر حكمًا على السرقات الشعرية دون أن يسميها، وبذلك أهمل موضوعًا كبيرًا أستأثر باهتمام غيره من النقاد، فبذلوا فيه جهودًا مضنية قليلة الثمرات. وكان الذي أثاره إلى هذا الموضوع حديثه عن الاستغراب والطرافة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه. غير أن وصف المعنى بأنه غريب وطريف لا علاقة له بكونه جيدًا أو غير جيد، فقد يكون الجيد غير طريف أو غريب. وقد يكون الغريب الطريف غير جيد. والسبق إلى المعنى ليس صفة للمعنى نفسه بل هو صفة للشاعر إذ انه هو السابق في الاهتداء إليه. أما المعنى فإنه عن كان قبيحًا في ذاته لم يحسنه هذا السبق، والعكس كذلك: " واحسب انه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعمًا علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه لا الشعر " (١) . أرأيت إلى هذا الفصل الدقيق بين الشعر والشاعر؟ كان قدامة يقول: أنا في حديثي عن الشعر لا اهتم إلا بصفاته الذاتية وحدها، فأما ما كان متعلقًا بالشاعر نفسه فلا شان لي به. ولكن اين الحديث عن السرقات في هذا الذي عرضنا له؟ هو حديث يشبه الإيماء إذ ان قدامة يتقد أن الشعراء لو تعاوروا مثلًا تشبيه الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، ظل التشبيه في ذاته جميلًا، ولم تخلق جدته بسبب تداول الشعراء له: ومن ثم فليس لنا أن نبحث من هو أول من سبق إلى هذا التشبيه أو ذاك المعنى، وليس لنا ان نقف عند ننظر إلى حسن الأداء وحده دون أي شيء آخر. وكأن قدامة يومئ من طرف خفي غى ان المعاني شركة للجميع، مطروحة في الطريق، فإن لم تكن كذلك واهتدى شاعر إلى معنى غريب طريف، فحقه ان يوصف هو بالسبق، أما معناه
(١) نقد الشعر: ٨٣.