يدور حول الفضائل، وما دامت الفضائل الكبرى أربعًا، فلماذا لا يوفق قدامة بين النظريتين، لاسيما وأنه يقرأ في الترجمة المشوهة: " وأنواع المدائح أربعة أنواع (١)؛ ثم يقرا في موضع آخر: (وقد يجد ضرورة أن تكون جميع أجزاء صناعة المديح ستة أجزاء بحسب أي شيء كانت هذه الصناعات "، وتختلط هذه الأمور في ذهنه فيحاول ان يحلها، ويسعفه عقله المنطقي على الاهتداء إلى حل. هي أربع بالنسبة للفضائل الكبرى، وهي ست بما تركب عنها. ثم لا يستطيع أن يفهم من التقسيمات الأصلية شيئًا لأنها تتصل في حقيقتها بالمأساة لا بالمديح، ولكنه يحس انه خرج من المأزق منتصرًا. وقد كان الأمر كذلك لان بوادي الأمور الخاطئة قد تكونت لديه في صورة نظرية جديدة. وهو غير متردد في أن ما خرج به من استنتاج موافق لرأي المعلم الأول، لان المعلم الأول يقول أيضًا: " والتشبيه والمحاكاة هي مدائح الأشياء التي هي في غاية الفضيلة " (٢) .
كيف تم التلاءم بين القاعدة الأخلاقية والغلو في الشعر
و" غاية الفضيلة " تمثل جانبًا من الجواب على السؤال الثاني، فقد قال أرسططاليس ان الفضيلة وسط بين طرفين، فهل يجوز للشاعر أن يصف قومًا بالإفراط في هذه الفضائل؟ وجواب قدامة على ذلك بالإيجاب لان هذا من باب الغلو في الشعر وليس يراد منه غلا المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء (٣)؛ لقد اختلف الناس في النظر إلى الشعر وانقسموا في مذهبين: ناس يرون الغلو في المعنى، وناس يرون الاقتصار وانقسموا على الحد الأوسط، بل إن بعضهم يستجيد الغلو في شعر وينكره في آخر، ويقول قدامة معلقًا على ذلك: " عن الغلو عندي أجود المذهبين وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديمًا. وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر
(١) فن الشعر: ١٣٢.
(٢) نفسه: ١١٧.
(٣) نقد الشعر: ٣١.