بوصف النثر في المنزلة الثالثة من الكتاب (١)، روى أبو حيان عن علي بن عيسى الوزير أنه قال: " عرض على قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب، ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكني وجدته هجين اللفظ ركيك البلاغة في وصف البلاغة حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه " (٢)
وهذه الثقافة نفسها هي التي جعلته يشارك في النقد الأدبي، إذ لا تكاد تشك في أن المنزلة الثالثة من كتاب الخراج إنما كتاب صدىً لكتاب أرسطو في الخطابة، وإن استكماله لمراحل المنطق الأرسططاليسي (وكتاب الشعر مرحلة أخيرة فيه) هو الذي جعله يقوم بتأليف كتابه " نقد الشعر "، وأنه بحكم هذه الثقافة نفسها كان منحازًا إلى تقدير " المعنى "، ولذا ألف كتابه " الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام " (٣)؛ ولكن يجب ألا ننسى أن صلته بثعلب وأمثاله من علماء القرن الثالث، هي التي وضعت في يديه المادة الأدبية الصالحة لسند آرائه النظرية.
عدم إطلاع قدامة على نقد القرن الثالث
ويبدو أن قدامة لم يعرف شيئًا عن كتاب " نقد الشعر " للناشئ، ولم يطلع على كتاب " عيار الشعر " لأبن طباطبا، لأنه يصرح بأنه لم يجد " أحدًا وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتابًا " (٤) ثم يقول: " فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلًا ما يصيبون؛ ولما وجدت الأمر على ذلك وتبينت أن الكلام في هذا
(١) الإمتاع ٢: ١٤٥.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) ياقوت ١٧: ١٣.
(٤) نقد الشعر: الصفحة الأولى.