وهذا نظير قوله في الموضع الآخر: "إن خيرًا لكم أن أذهب عنكم حتى يأتِيَكم الفارقليط فإنه لا يجيء ما لم أذهب".
وقوله أيضًا: "ابن البشر ذاهبٌ، والفارقليط مِنْ بعده"، وفي موضع آخر: "أنا أذهب وسيأتيك الفارقليط".
والفارقليط والمبارك الذي جاء بعد المسيح هو محمد ﷺ -كما تقدم تقريره.
(الوجه الرابع والثلاثون) قوله في إنجيل متى: "إنه لما حبس يحيى بن زكريا بعث تلاميذه إلى المسيح وقال لهم: قولوا له: أنت إيل أم نتوقع غيرك؟ فقال المسيح: الحقَّ اليقينَ أقولُ لكم: إنه لم تَقُمِ النساءُ عن أفضلَ من يحيى بنِ زكريَّا، وإنَّ التوراة وكتب الأنبياء يتلو بعضُها بعضًا بالنّبوة والوحي حتى جاء يحيى، وأما الآن فإن شئتم فَاقْبلُوا (^١) فإن إيل مزمع أن يأتي، فمن كانت له أذنان سامعتان فليستمع" (^٢).
وهذه بشارة بمجيء الله سبحانه الذي و"إيل" بالعبرانية. ومجيئه هو مجيء رسوله وكتابه ودينه، كما في التوراة: "جاء الله من طُورِ سَيْنَاء".
قال بعض عُبَّاد الصليب: إنما بشر بإلْيَاسَ النبي، وهذا لا يُنْكَر من جهل أمة الضلال وعبَّاد خشبة الصليب التي نحتتها أيدي اليهود؛ فإنَّ إلياس قد تقدم إرساله على المسيح بدهور متطاولة.
(^١) في "غ": "فاقتلوا".
(^٢) إنجيل متى: (١١/ ٩ - ١٥).