325

اعلم أن الله تعالى جعل كتابه حجة له على العباد، وداعيا إلى الحق والرشاد، وزاجرا عن الغي والفساد، ومرغبا في الجنة، ومخوفا من النار، وجعله مؤكدا لحجة العقول، وشاهدا بصدق الرسول، وحاكما بين الناس، ومبينا للإلتباس، وجعل فيه جميع ما يحتاج إليه من علم الأصول والفروع، ومعرفة الحلال والحرام، ومعرفة القضاء والأحكام والمواريث وعلم الشرع وقصص الأولين، وبيان ما يكون في يوم الدين، وجعله نورا للمؤمنين، وضياء للمهتدين، وجعله بالغا موجزا، وقريب المتناول معجزا، وقد سماه الله هدى، وموعظة، وذكرا، وعزيزا، ومباركا ونورا، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، قال الله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}[البقرة:185]، وقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}[فصلت:41،42]، وقال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} [ص:29]، وقال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [الحجر:9]، وقال: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}[الزخرف:44]، وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}[الشورى:52]، وقال تعالى: {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير}[التغابن:8]، وقال تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}[النور:35]، ونور الله هو القرآن.

وقوله تعالى: {نور على نور} معناه: نور مع نور، فالقرآن نور والرسول نور فصار القرآن نورا على نور. وقد سمى الله نبيئه سراجا منيرا فقال: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا}[الأحزاب:45،46].

وقول الله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} المراد به: الله منور السماوات والأرض.

واعلم أن المثل في هذا الموضع أكبر من الممثل به، وإنما مثل الله للناس بما يعرفون، وقد تمثل العرب الشيء بأصغر منه، قال الشاعر:

كأن ثبيرا في عرانين وبله

Page 400