لا يا وليدي الحبيب! ما أحسب ذلك كله الذي خفف من فرحتي بقدومك، وقد يكون بعض ذلك من بعض، ولكن أمرًا واحدًا قد يكون أقوى أثرًا من كل ما ذكرت، ذلك أني منذ أصبت بهذا المرض - منذ خمس سنوات وشهر تقريبًا - وأنا أفكر في عجزي عن تربية إخوتك وأخواتك كما أحب: جنودًا في سبيل الله، ليوثًا في نصرة الحق، بحورًا في فعل الخير، زهرات فواحة في حسن الأحدوثة وجميل الأثر، وها أنت يا بني زدتهم واحدًا فأصبحتم ستة، فإن يحل بيني وبين ما أحب لكم، أمر من الله قضاه، فبحسبي هدوءًا أن أعتقد أن لكم عند الله طريقًا أمضاه، ولو أني كنت في مقتبل العمر وعنفوان الشباب، وربيع الفتوة لما استطعت أن أنقض ما أبرم فيكم، أو أحول ما أراد لكم، وبحسبي نبية الخير وإن لم أستطعه، وعزم الرشد وإن عجزت عنه، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
فرح الزوج
الزوج الوفي المحب يفرح بولادة زوجته مرتين: مرة لأنها ولدت له مولودًا، وأخرى لأنها سلمت في ولادتها، ولن أنسى فقد أخت حبيبة وهي على فراش الولادة يرحمها الله، لقد عرفت يومئذ معنى اللوعة على فقد الأحبة، لأول مرة في حياتي، ولأول مرة أبكي عن أبي مع أبي يرحمه الله، وقد هدَّه الحزن عليها، وهو شيخ كبير، وأنا بعد لم أعرف معنى الأبوة ولا دخلت عتبتها، فما أشد فرحة الزوج الأب بولادة زوجته