359

Dalīl al-wāʿiẓ ilā adillat al-mawāʿiẓ

دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ

وَقَدْ يَتَوَلَّد الْحَيَاء مِنْ اللهُ تَعَالَى مِنْ التَّقَلُّب فِي نِعَمِهِ فَيَسْتَحِي الْعَاقِل أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَعْصِيَته، وَقَدْ قَالَ بَعْض السَّلَف: خَفْ اللهُ عَلَى قَدْر قُدْرَته عَلَيْك. وَاسْتَحْيِ مِنْهُ عَلَى قَدْر قُرْبه مِنْك.
والْمُرَاد بِالْحَيَاءِ فِي هَذِا الْحَديث مَا يَكُون شَرْعِيًّا، وَالْحَيَاءُ الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ الْإِخْلَال بِالْحُقُوقِ لَيْسَ حَيَاءً شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَجْز وَمَهَانَة، وَإِنَّمَا يُطْلَق عَلَيْهِ حَيَاء لِمُشَابَهَتِهِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيّ، وَهُوَ خُلُق يَبْعَث عَلَى تَرْك الْقَبِيح.
وفي (الصحيحين) عن أبي هُريرة قال: «الحياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ».
وفي (الصحيحين) عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ ﵌ قال: «الحَيَاءُ لَا يَأتِي إلاَّ بِخَيْرٍ».
قَالَ أَشَجُّ بْنُ عَصَرٍ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﵌: «إِنَّ فِيكَ خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ ﷿» قُلْتُ: «مَا هُمَا؟» قَالَ: «الْحِلْمُ وَالْحَيَاءُ»، قُلْتُ: «أَقَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَمْ حَدِيثًا؟» قَالَ: «بَلْ قَدِيمًا» قُلْتُ: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا». (صحيح رواه الإمام أحمد).
• الحياء نوعان:
أحدهما: ما كان خَلْقًا وجِبِلَّةً غيرَ مكتسب، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمْنَحُها الله العبدَ ويَجبِلُه عليها، ولهذا قال ﵌: «الْحَيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءةِ الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر ﵁ أنَّه قال: «من استحيى اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي».
وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام ـ: «تركتُ الذنوب حياءً أربعين سنة، ثم أدركني الورع».
ورُب قبيحةٍ ما حالَ بينِي ... وبينَ ركوبِها إلا الحياء
فكان هو الداءُ لها ولكنْ ... إذا ذهبَ الحياءُ فلا دواء

1 / 385